مقالات

على الدولة استيعاب درس الحسكة

صلاح بدرالدين
في التاسع من أكتوبر شهد حي – غويران – بمدينة الحسكة تظاهرة حاشدة اقتصرت خصوصا على المكون العربي تحت شعار ” رفع العلم السوري ” ، ولأن الجمع لم يكن منظما فقد ظهرت العديد من الشعارات المستفزة للمكون الكردي بشكل خاص مفعمة بالنبرة الشوفينية ، والتي لاصلة لها بالعلم الوطني الذي يرمز الى الاتحاد، والسيادة ، والوحدة الوطنية ، والتسامح .
سيكون شعار رفع العلم السوري كعلم وطني يرمز الى بسط سيادة الدولة في كل بقعة من ارض الوطن امرا مقبولا من جميع المكونات في محافظة الحسكة بل في كل المحافظات السورية ، بل ضروريا في المرحلة الراهنة بعد حل ، واندماج الميليشيات المسلحة ، وتطبيق قرار زوال سلطات الامر الواقع في كامل الجغرافيا السورية ، ولكن ماحصل انه تم استغلال شعار رفع العلم السوري ، لبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد ، واعتبار الكرد مباشرة او بشكل غير مباشر في المنطقة هم من ( نكسوا ) العلم الوطني ، مع مداخلات من خارج المحافظة تؤجج مشاعر الكراهية ، وتشكل خطرا على العيش المشترك الكردي العربي .
لسنا هنا في مجال تبرئة ممارسات تيار سياسي – عسكري كان محسوبا على الكرد ظاهريا ، ولم يكن جزء من الحركة الوطنية الكردية السورية التاريخية ، ضد العلم الوطني الذي استخدمته الثورة السورية منذ اندلاعها ربيع ٢٠١١ ، وقام باعمال فسرت بوقتها انها تبث الفتنة بين المكونات السورية في – استعراضات الجثث في عفرين – واثارة النعرات في – الشيخ مقصود – بحلب ، ومناطق أخرى ، ورفع صور رموز غير سورية ، وشعارات تخص أحزابا خارج الحدود ، حتى انه من غير المستبعد ان يكون البعض من هذا التيار ( الشبيبة الثورية الاوجلانية ) مشاركا في اعمال الشغب واثارة الفتنة ، ولكن هذا التيار ذاته وقع اتفاقيات الاندماج مع الدولة السورية من دون اجراء مراجعات نقدية ، ومن دون معرفة هل اكتمل الاندماج ام مازال ببداياته .
هناك في الحركة الوطنية الكردية من نبه الحكومة الانتقالية مبكرا بضرورة الاستعداد لملئ الفراغ الذي سينشأ من زوال سلطات الامر الواقع ، ودمج الفصائل المسلحة بوزارة الدفاع السورية وخصوصا في المناطق الكردية ، والمختلطة مثل مدينة – الحسكة – ، وماتحمل من ذاكرة مليئة بالحساسيات ، والمظلوميات ، ومايتطلب من وجوب الإسراع في إزالة آثار اكثر من خمسين عاما من المعاناة ، والاستهدافات ، ومخططات التهجير ، وتغيير التركيب الديموغرافي .
لقد بات واضحا – وقد حذرنا مرارا منذ ديسمبر ٢٠٢٤ – ان ربط القضية الكردية السورية بتعقيدات مشكلة – ب ك ك – في تركيا لن تؤدي الا الى تفاقم الحالة الكردية السورية ، وان عملية الدمج ليست الطريق لحل الموضوع المركزي ، كما ان مهمة ( الوفد الرئاسي ) الذي اكن لاعضائه الاحترام تتعلق بتنفيذ خطوات الدمج المتفقة عليها ، وليست حل القضية الكردية السورية .
والمقترح على الحكومة الانتقالية ان الحل يكمن في ظل انقسام الحركة السياسية الكردية الراهنة وتفككها ، وغياب الممثل الشرعي للحركة ، واحتمال وجود الغام غير مرئية يمكن ان تنفجر باي وقت ، ومن اجل ملئ الفراغ الناشئ ، دعم مشروع عقد مؤتمر كردي سوري جامع في العاصمة الوطنية دمشق لانتخاب من يمثل الكرد وحركتهم ، والتحاور مع العهد الجديد لايجاد حل نهائي عادل توافقي للقضية الكردية ، وهي الموضوع الأساسي الذي تتشعب عنه المسائل الأخرى .
نرى ان مضي الوقت من دون ان تتحمل الدولة مسؤولياتها ، وتستجيب لهذا المشروع الانقاذي ، قد ينتقل ماحدث بالحسكة الى أماكن أخرى ، وتتضاعف المخاطر ليس على الوحدة الوطنية فحسب ، بل حتى على انجاز دحر نظام الاستبداد .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(2 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى