محمود أوسو
هناك مفارقة مؤلمة في تاريخنا الكردي، مفارقة لا ينتبه لها إلا من يقرأ التاريخ بعيون مجردة من التعصب.
أنجبنا علماء غيروا وجه الطب، وفقهاء أسسوا المذاهب، وشعراء خلدهم العالم، ومهندسون بنوا أجمل مساجد وكنائس الشرق، لكنك حين تقرأ سيرتهم، تجد اسم وطنهم غائباً يقال: العالم المسلم، الفيلسوف الإسلامي، الشاعر الفارسي، المؤرخ العربي ولا يقال: العالم الكردستاني.
لماذا؟
هل لأننا لم نكن موجودين؟ لا.
لأن كردستان لم تكن دولة معترفة بها في الأمم المتحدة لتختم جواز سفرهم.
الكردي عبر التاريخ كان مثل ذلك العامل الماهر الذي يبني قصراً لغيره، فيكتب القصر باسم صاحب الأرض لا باسم من بناه.
1- خدموا الإنسانية باسم الدين لا باسم القومية:
عندما ظهر صلاح الدين الأيوبي، لم يقل أنا كردي سأبني دولة كردية، قال أنا مسلم سأحرر القدس فخدم الإسلام، وكتب في التاريخ كقائد مسلم، ونسيت كرديته.
عندما ظهر ابن خلكان، وابن الجزري مخترع الروبوتات، وابن تيمية بأصوله، والشهرزوري، والدينوري، والآمدي، وابن صلاح الشهرزوري، كتبوا بالعربية لأن العربية كانت لغة العلم مثل الإنجليزية اليوم، فحسبوا على العرب.
عندما كتب الشاعر أحمد خاني ملحمته مم وزين و مولوي ويسي، كتبوا بالكردية لكنهم عاشوا في إمارات مقسمة بين الفرس والعثمانيين، فحسبوا على الفرس والترك.
الدين كان هو الهوية العابرة للقومية ،لم يكن هناك وطن قومي، كان هناك دار الإسلام فالكردي المسلم خدم الإسلام، والكردي المسيحي خدم المسيحية والكنيسة، وكلهم ظنوا أن خدمة الدين تكفي لتحفظ حقهم.
2- المشكلة ليست فينا، بل في الخريطة:
اليوم لو اخترع عالم ياباني دواءً، يقال اختراع ياباني لأن اليابان دولة لو اخترع كردي نفس الدواء في بغداد أو إسطنبول أو طهران، يقال اختراع عراقي أو تركي أو إيراني لأن كردستان ليست عضواً في الأمم المتحدة، فلا يوجد ختم اسمه صنع في كردستان
عدم الاعتراف السياسي لا يلغي الوجود الثقافي والتاريخي وفلسطين لم تكن دولة لعقود، لكن الفلسطيني بقي فلسطينياً ،كذلك الكردي.
3- آن الأوان لنستعيد أسماءنا:
المطلوب ليس التعصب، بل الإنصاف أن نقول الحقيقة كما هي: هذا العالم كردي خدم الإسلام، هذا الشاعر كردي خدم الأدب الفارسي، هذا المعماري كردي بنى مساجد إسطنبول.
نحن لا ننكر أنهم خدموا الإنسانية كلها، ونفتخر أنهم خدموا الإسلام والمسيحية والعرب والترك والفرس، لكننا نريد أن نضيف سطراً واحداً ناقصاً في كتب التاريخ: وكان كردياً من كردستان.
الاعتراف بكردستان في الأمم المتحدة قادم لا محالة، طال الزمن أم قصر، لكن قبل أن تعترف بنا الخرائط السياسية، يجب أن نعترف نحن بأنفسنا ، أن نكتب تاريخ علمائنا باسمهم الحقيقي لا باسم من حكمنا.
فالشعوب لا تموت عندما تحرم من دولة، بل تموت عندما تنسى من هي.