مهند محمود شوقي
في صباح الغد، عندما يقرع مسرور بارزاني جرس إحدى المدارس إيذاناً ببدء العام الدراسي الجديد، سيبدو المشهد بسيطاً. أطفال يدخلون مدارسهم، معلمون يستقبلون طلبتهم، وكتب جديدة تنتظر أن تُفتح صفحاتها.
لكن خلف هذا المشهد قصة أكبر من بداية عام دراسي.
في كوردستان، تحمل المدرسة معنى يتجاوز جدرانها. ارتبط التعليم لسنوات طويلة بالهوية واللغة وحق الإنسان في أن يتعلم ويصنع مستقبله. واليوم، بعد عقود من التحولات، أصبح التعليم جزءاً من معركة أخرى؛ معركة بناء الإنسان القادر على حماية ما تحقق وتطويره والمضي به إلى المستقبل.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مسيرة الكابينة التاسعة منذ عام 2019.
منذ الأيام الأولى لتشكيلها، وضعت حكومة إقليم كوردستان التعليم ضمن أولوياتها. ففي أيلول/سبتمبر 2019، أكد رئيس الحكومة مسرور بارزاني أن تطوير التربية والتعليم من المهام الرئيسية للحكومة، مع التركيز على تطوير الجامعات والبحث العلمي وتقليص الفجوة بين التعليم الحكومي والأهلي.
لم يكن ذلك إعلاناً عابراً. فالسنوات التالية أظهرت أن ملف التعليم بقي حاضراً في مشاريع الحكومة، من بناء المدارس وترميمها، إلى تحديث المناهج وتدريب المعلمين، ثم الرقمنة والاعتماد الأكاديمي وربط التعليم بسوق العمل.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى السنوات السبع باعتبارها مساراً واحداً، لا مجموعة مشاريع منفصلة.
في السنوات الأولى، كان التحدي توفير بيئة تعليمية أفضل. أُنشئت مدارس ورياض أطفال جديدة، ورُممت مدارس قائمة، وأضيفت صفوف دراسية في مناطق مختلفة من الإقليم. ومع الوقت، اتسع الاهتمام ليشمل ما هو أبعد من البناء.
فالمدرسة الحديثة لا تُقاس بعدد غرفها فقط.
ماذا يتعلم الطالب؟ كيف يتعلم؟ من يعلّمه؟ وهل يخرج من المدرسة بالمهارات التي يحتاجها في الجامعة وسوق العمل؟ وكيف يمكن أن يصبح التعليم جزءاً من اقتصاد جديد لا يعتمد فقط على الوظيفة الحكومية؟
هذه الأسئلة بدأت تأخذ مساحة أكبر في رؤية الحكومة للتعليم.
وفي عام 2021، تحدث مسرور بارزاني عن ضرورة تطوير التعليم بما يتناسب مع القرن الحادي والعشرين، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، إلى جانب العمل على إنشاء منظومة للاعتماد الأكاديمي وفق معايير دولية.
ثم جاءت خطوات أخرى في تطوير المناهج وتدريب الكوادر التعليمية والانتقال التدريجي نحو الخدمات الإلكترونية.
ولم تكن جائحة كورونا خارج هذه القصة. فقد اضطرت مدارس العالم إلى تغيير طريقة التعليم خلال فترة قصيرة، وكان على كوردستان أيضاً أن تتعامل مع واقع جديد فرض التعليم الإلكتروني والوسائل الرقمية. وبعد انتهاء الجائحة، لم يعد من الممكن ببساطة العودة إلى المدرسة القديمة بكل تفاصيلها.
التكنولوجيا أصبحت جزءاً من التعليم، شئنا أم أبينا.
وفي السنوات اللاحقة، توسعت مشاريع الحكومة في هذا الاتجاه. لم يعد الحديث عن المدرسة مقتصراً على البناء والترميم، بل أصبح يشمل الرقمنة، والوسائل التعليمية، والطاقة، وتطوير المناهج، وتدريب المعلمين.
وفي عام 2023، أعلنت وزارة التربية استراتيجية لتطوير وتدريب الملاكات التعليمية تمتد حتى عام 2030. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن المدرسة مهما كانت جميلة وحديثة تبقى بحاجة إلى المعلم.
يمكن بناء ألف مدرسة، لكن لا يمكن بناء جيل من دون معلم جيد.
وفي أحدث صورة للعام الدراسي الجديد، أعلنت دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان أن المدارس ورياض الأطفال تستعد لاستقبال أكثر من مليون و750 ألف طالب وطالبة في العام الدراسي 2026-2027، بينهم أكثر من 123 ألف طالب جديد في الصف الأول الابتدائي.
وفي الوقت نفسه، شهد قطاع التربية بناء 236 مدرسة وروضة أطفال جديدة، وإضافة 476 فصلاً دراسياً إلى المدارس القائمة، وترميم وتأهيل 2650 مدرسة، إلى جانب تعديل 110 كتب مدرسية وطباعة نحو 19 مليون كتاب جديد وتوزيعها على المدارس.
وتكتسب مسألة المناهج أهمية خاصة في إقليم متعدد اللغات والثقافات. فالكتب المعدلة والمطورة تُستخدم بالكوردية السورانية والباذينية، إلى جانب العربية والإنجليزية والسريانية والتركمانية، بما يعكس طبيعة المجتمع الذي تخدمه المؤسسة التعليمية.
لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع وحدها أن تخبرنا إذا كان التعليم جيداً.
فالاختبار الحقيقي يبدأ داخل الصف.
هناك، أمام المعلم، يجلس الطفل الذي سيصبح بعد سنوات طبيباً أو مهندساً أو صحفياً أو معلماً أو صاحب شركة أو باحثاً. وربما يجلس بينهم من سيقود مؤسسات كوردستان في العقود المقبلة.
لهذا، فإن الاستثمار في التعليم ليس مشروعاً يمكن قياسه فقط بعدد المدارس التي بنيت أو الكتب التي طبعت. إنه استثمار طويل الأمد، تظهر نتائجه بعد سنوات.
وربما هنا تكمن الصلة بين مدرسة اليوم وتاريخ الحركة البارزانية.
منذ الشيخ عبد السلام بارزاني والشيخ أحمد بارزاني والملا مصطفى بارزاني، كانت قضية الإنسان الكوردي حاضرة في مسيرة طويلة من الدفاع عن الحقوق والهوية والوجود. كانت تلك أجيالاً عاشت في ظروف مختلفة، وكانت الأولوية في مراحل كثيرة حماية المجتمع والحفاظ على هويته.
اليوم تغيرت طبيعة المعركة.
لم تعد القضية فقط أن تكون هناك مدرسة، بل أن تكون المدرسة قادرة على إعداد إنسان ينافس في عالم مفتوح، يعرف لغته وتاريخه، ويتقن العلوم والتكنولوجيا، ويستطيع أن يدخل الجامعة وسوق العمل بثقة.
في السابق، كان الجبل أحد رموز الثورة.
اليوم، يمكن أن يكون الصف الدراسي أحد رموز البناء.
وهذا لا يعني أن طريق التعليم أصبح مكتملاً. فما زالت هناك تحديات تتعلق بجودة التعليم، وتأهيل المعلمين، والتعليم المهني، والجامعات، والبحث العلمي، والمواءمة بين مخرجات التعليم وحاجات الاقتصاد.
لكن الفرق أن السؤال تغير.
منذ سنوات، كان السؤال الأساسي: كيف نبني مدارس أكثر؟
أما اليوم، فينبغي أن يكون السؤال: كيف نبني تعليماً أفضل؟
وهذا هو المعنى الأوسع لجرس المدرسة الذي سيقرعه مسرور بارزاني غداً.
فهو لا يعلن فقط بداية عام دراسي جديد، بل يأتي بعد سبع سنوات من وضع التعليم ضمن أولويات الكابينة التاسعة، شهدت خلالها مشاريع في الأبنية والمناهج والمعلمين والرقمنة والتعليم العالي.
وبين جرس عام 2019 وجرس عام 2026، تغير الكثير. كبرت أعداد الطلبة، واتسعت المدارس، وتطورت المناهج، ودخلت التكنولوجيا إلى الصفوف، وأصبح الحديث عن التعليم مرتبطاً أكثر بمستقبل الاقتصاد والمجتمع.
لكن الجرس نفسه بقي يحمل الرسالة ذاتها: المستقبل يبدأ من المدرسة.
الفرق أن أجيال الأمس كانت تناضل كي يكون لها مستقبل، أما أجيال اليوم فعليها أن تتعلم كيف تصنعه.
وهنا ربما يكون أعظم ما يمكن أن تفعله أي حكومة ليس أن تبني مدرسة جديدة فقط، بل أن تجعل الطفل الذي يدخلها اليوم أكثر قدرة على بناء كوردستان الغد.
فالطرق والجسور والمباني يمكن أن نراها وهي ترتفع أمام أعيننا، أما التعليم فيعمل بصمت.
وبعد سنوات، حين يكبر أولئك الأطفال، عندها فقط سنعرف ماذا صنع ذلك الجرس الذي قرع صباح 20 أيلول/سبتمبر 2026.




