مقالات

كفى انشقاقات.. نحو مرجعية كوردية توحّد الموقف والقرار

المحامي عبدالرحمن محمد

كفى لمسلسل الانشقاقات الحزبية، ونعم لبناء حركة وطنية كوردستانية جامعة، ومرجعية سياسية وحقوقية قادرة على التعبير عن تطلعات الشعب الكوردي والدفاع عن حقوقه وهويته وقضيته، بعيداً عن التبعية والتشرذم والصراعات الداخلية.

نعم لوحدة الموقف والصف والرؤية تجاه القضايا المصيرية، فالقضية الكوردية أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب والمصالح الحزبية الضيقة.

من خلال قراءة تاريخ الأحزاب الكوردية ومتابعة واقعها السياسي، يمكن ملاحظة أن جانباً كبيراً من الانقسامات والانشقاقات لم يكن سببه خلافاً جوهرياً حول المبادئ أو الأهداف الوطنية والقومية، ولم يكن مرتبطاً دائماً باختلاف حقيقي حول مستقبل الشعب الكوردي وحقوقه وقضيته المصيرية.

في كثير من الأحيان تحولت الخلافات إلى صراعات داخلية بين أشخاص ومجموعات داخل الحزب الواحد، وإلى تنافس على النفوذ والقرار والموقع القيادي، بدلاً من أن يكون التنافس حول البرامج والرؤى والوسائل الأفضل لخدمة القضية والمجتمع.

ومع اشتداد الصراع الداخلي تبدأ عملية تشكيل الكتل والمحاور، وتتبادل الأطراف الاتهامات، وقد تصل الأمور إلى استخدام أوصاف ثقيلة مثل العمالة والخيانة والتبعية، بدلاً من الاحتكام إلى الحوار والمؤسسات والأنظمة الداخلية والآليات الديمقراطية.

وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات العمل الحزبي: عندما يتحول الولاء من الفكرة والقضية إلى الشخص، ومن الانتماء إلى الشعب والوطن إلى الانتماء المطلق للحزب أو للزعيم.

إن التمسك بالموقع القيادي لسنوات طويلة، وغياب التداول الديمقراطي للسلطة داخل بعض التنظيمات، يمكن أن يؤديا إلى احتكار القرار وإضعاف المؤسسات، ويجعلان الخلاف السياسي أو التنظيمي يتحول سريعاً إلى انقسام وانشقاق جديد.

كما أن الولاء الشخصي لهذا القيادي أو ذاك يسهم في تعميق الأزمة. فبدلاً من وجود أعضاء ينتمون إلى برنامج سياسي ومؤسسة حزبية، تظهر أحياناً مجموعات مرتبطة بالأشخاص، تتحرك معهم أينما ذهبوا، وتنقسم بانقسامهم.

ولهذا أصبحت التعددية الحزبية المفرطة موضع تساؤل لدى قطاع من الرأي العام الكوردي، خصوصاً عندما تظهر تنظيمات صغيرة ومتعددة تحمل شعارات وبرامج متشابهة، بينما يكمن الخلاف الأساسي بينها في القيادة والأشخاص وطريقة توزيع النفوذ.

المشكلة ليست في التعددية بحد ذاتها، فالتعددية السياسية حق طبيعي وجزء من أي حياة ديمقراطية، وإنما المشكلة عندما تتحول التعددية إلى انشطار دائم، ويصبح تأسيس حزب جديد نتيجة خلاف شخصي أو صراع على موقع قيادي، لا نتيجة اختلاف سياسي أو فكري حقيقي.

وعندما يصبح الصراع داخل الأحزاب أهم من الصراع السياسي من أجل الحقوق، فإن الخاسر الأكبر هو القضية نفسها.

إن استمرار هذا المشهد يعكس أزمة عميقة في الثقافة الحزبية، وفي مفهوم العمل المؤسسي والديمقراطي، وفي القدرة على تقديم المصلحة الوطنية العامة على المصالح الفردية والتنظيمية.

الشعب الكوردي، الذي عانى طويلاً من الحرمان والاضطهاد وإنكار الحقوق، يحتاج إلى قوى سياسية قادرة على تحمل مسؤوليتها التاريخية، وإلى قيادات تدرك أن المناصب مؤقتة، بينما حقوق الشعب وقضيته ومستقبله هي الأساس.

فأين تقف المصالح الشخصية أمام قضية شعب؟

وأين يقف المنصب الحزبي أمام مستقبل أجيال كاملة؟

وأين تقع الخلافات التنظيمية الصغيرة أمام القضايا الكبرى المتعلقة بالهوية والحقوق والوجود والمستقبل السياسي؟

ليس من المقبول أن تُرفع شعارات تمثيل الشعب الكوردي بينما تنشغل بعض القوى بصراعاتها الداخلية وانشقاقاتها المتكررة. ومن الصعب إقناع الناس بخطاب الوحدة الوطنية عندما تعجز الأحزاب نفسها عن إدارة اختلافاتها داخل مؤسساتها.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس حزباً جديداً يضاف إلى قائمة الأحزاب، ولا انشقاقاً جديداً ينتج تنظيماً جديداً وقيادة جديدة، بل مراجعة حقيقية لطبيعة العمل السياسي الكوردي.

المطلوب هو ترسيخ ثقافة المؤسسات، والتداول الديمقراطي للمسؤوليات، واحترام الرأي الآخر، والابتعاد عن عبادة الأشخاص والولاءات الفردية.

والمطلوب كذلك البحث الجدي في إنشاء مرجعية سياسية وحقوقية كوردية جامعة، لا تلغي الأحزاب ولا تصادر اختلافاتها، وإنما تجمعها حول القضايا المصيرية والثوابت الوطنية المشتركة.

مرجعية يكون الولاء فيها للشعب وحقوقه، لا للأشخاص.

ويكون الانتماء فيها للقضية، لا للكرسي.

وتكون القيادة فيها مسؤولية مؤقتة، لا امتيازاً دائماً.

كفى للانشقاقات والانشطارات والتشرذم.

كفى للصراع على المناصب والنفوذ.

كفى لتحويل القضية الكوردية إلى ساحة للمزايدات والمصالح الشخصية.

إن القضية الكوردية أكبر من حزب، وأكبر من سكرتير، وأكبر من أي شخص مهما كان موقعه.

والمرحلة تحتاج إلى وحدة الموقف والرؤية، وإلى خطاب سياسي مسؤول، وإلى مشروع وطني جامع يضع حقوق الشعب الكوردي ومستقبله فوق كل اعتبار.

فالأشخاص يرحلون، والأحزاب تتغير، أما الشعوب وقضاياها وحقوقها فتبقى.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب