مقالات

الخطاب السياسي الكردي وإشكالية «فنّ الممكن»

شادي حاجي
لم تعد عبارة «السياسة فنّ الممكن» مجرد توصيف كلاسيكي لطبيعة العمل السياسي، بل تحولت، لدى بعض السياسيين والمثقفين الكرد، إلى شعار محافظ يُستخدم لتطويق الطموح السياسي الكردي، وتبرير الجمود، ومنح العجز غطاءً من «الواقعية». وهكذا، بدلاً من أن تكون السياسة وسيلة لتوسيع الممكن، أصبحت تُختزل في إدارة ما هو قائم والتكيف مع حدوده.
في السياق السوري، يتجلى هذا الانزلاق في النقاش حول اللامركزية أو الفيدرالية والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي. فبدلاً من التعامل مع هذه القضايا بوصفها موضوعاً مشروعاً للنقاش السياسي والدستوري، يُستدعى «فنّ الممكن» أحياناً لتحديد سقف المطالب مسبقاً، وكأن حدود الممكن قد حُسمت سلفاً ولا يملك أحد حق اختبارها.
ويُبرَّر ذلك بالخوف من تعميق الانقسامات، أو استغلال القضية إقليمياً، أو تهديد التوافق الوطني الهش. لكن هذه الحجج، مهما بدت حريصة، تنطوي على افتراض خطير: أن الاستقرار لا يتحقق إلا بتأجيل القضايا العادلة، وأن الوحدة لا تُصان إلا بكبح الاختلاف. وعندها تتحول «الواقعية» من وسيلة لإدارة التوازنات إلى ذريعة للإبقاء على موازين القوى كما هي.
والإشكالية هنا ليست خلافاً حول تكتيك سياسي، بل تتصل بسؤال أعمق: هل يحق للكرد أن يتصوروا مستقبلاً سياسياً يتجاوز حدود ما عُرض عليهم تاريخياً؟
فحين يُعامل الطموح القومي الكردي بوصفه تهديداً دائماً للاستقرار، بينما يُنظر إلى الطموحات القومية لشعوب أخرى باعتبارها حقاً طبيعياً أو خياراً سياسياً مشروعاً، فإننا لا نكون أمام «واقعية سياسية» محايدة، بل أمام معيار مزدوج في تعريف الحقوق وما هو مقبول سياسياً.
والتاريخ نفسه ينقض فكرة أن الممكن سقف ثابت. ففي جنوب أفريقيا، لم تكن المساواة السياسية الكاملة هي «الممكن» وفق موازين القوى القديمة، لكنها أصبحت ممكنة عندما تغيرت تلك الموازين. وفي كندا وإسبانيا، لم تُبنَ الوحدة على إلغاء التعدد، بل على تطوير صيغ سياسية تستوعبه. وفي العراق، لم تكن الفيدرالية وإقليم كردستان نتيجة قبول سلبي بالأمر الواقع، بل ثمرة تحولات وصراعات سياسية أعادت رسم شكل الدولة ثم جرى تثبيتها دستورياً.
وحتى سقوط جدار برلين، وتوحيد ألمانيا، وانهيار الاتحاد السوفييتي، تذكّرنا بأن لحظات التحول الكبرى لا تنتظر الممكن كما هو؛ بل تعيد تعريفه.
لهذا، فإن المشكلة ليست في «فنّ الممكن»، بل في تحويله إلى سقف ممنوع تجاوزه. فالممكن السياسي ليس حقيقة طبيعية ثابتة، وإنما نتيجة لموازين القوى، وللنضال السياسي، وللقدرة على بناء التوافقات، ولإعادة صياغة شروط الواقع.
السياسة، إذن، ليست فنّ التكيف مع الممكن فحسب، بل فنّ توسيع الممكن وصناعته. ومن الخطأ أن يُطلب من الكرد أن يتخلوا عن حقهم في تخيل مستقبل سياسي أوسع بحجة الواقعية، بينما تُعرَّف حقوق الآخرين انطلاقاً من طموحاتهم لا من حدود ما تسمح به موازين القوى الآنية.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الخطاب السياسي الكردي هو أن يحوّل حدود الواقع إلى حدود للخيال، ثم يقدم هذا الانكماش على أنه حكمة سياسية.
فالواقعية الحقيقية لا تعني أن نسأل فقط: ما الذي يمكن فعله الآن؟ بل أن نسأل أيضاً: كيف نجعل ما يبدو مستحيلاً اليوم ممكناً غداً؟
ومن هنا يبدأ أفق سياسي كردي أكثر نضجاً: لا أفقاً يقوم على وهم القفز فوق الواقع، ولا على الاستسلام له، بل على فهمه وتغييره وتوسيع حدوده.
نحو أفق سياسي أكثر نضجاً

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب