سعيد يوسف
ألقى وزير الخارجية والمغتربين السوري للسلطة السورية المؤقتة السيد أسعد الشيباني خطابا أمام مجلس الجامعة العربية بتاريخ 7/9/2026/. وهذه قراءة سريعة في شكل الخطاب ومضمونه.
من حيث الشكل جاءت لغة الخطاب وفق الصياغة النمطية المعتمدة في الخطابات الخاصة بوفود الجامعة العربية. أما أسلوب الإلقاء فقد جاء وكأنه امتداد لخطابات الحقبة السابقة، ربما تكوّن لدي هذا الإنطباع من تكرار القوالب التعبيرية الرسمية القديمة. أما بالنسبة لهرم السلطة ربما هو من بقايا آثار التربية البعثية والأمنية والتاريخية التي ما زالت عالقة في الذاكرة الجمعية لفئات من السوريين.
حمل الخطاب كعادته ثقةً زائدة بالنفس من جانب السيد الوزير، متباهياً بسوريا التاريخ والحضارة وكوطن ثان لكل البشر، ويا لبؤس ما آل إليه حال بلد الحضارة اليوم والسبب الأساس لهذا المآل هو التعصب القومي والتطرف الديني اللذان يشكلان سياجاً منيعاً أمام تدشين أسس دولة مدنية دستورية ليس في سوريا فحسب بل وعلى مستوى دول المنطقة كلها.
تحدث عن إنجازات اقتصادية ودبلوماسية وحتى عسكرية هائلة. والجيش كما نعلم هو من بقايا فصائل لبعضها سجل مخزٍ ومدان، والبعض منها ربما يمتلك بزتين أو أكثر إحداهما عسكرية نظامية، والأخرى شعبية، وغيرها فصائلية، يمكن استبدالها حسب الحاجة والهدف، وإلا ما معنى خطابات العشائر وخيمها وتهديداتها المتكررة، حتى باتت تلعب دوراً شبيها بالدور الذي تقوم به الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، وهذا يعدّ مساساً بسيادة الدولة، ومن جهة أخرى يثبت حيازتها لسلاح منفلت خارج الأطر القانونية، واحتمال استخدامه لأعمال عنف وارتكاب الجرائم. وهذا يستوجب من الحكومة والأجهزة الأمنية وضع حد قانوني للدور الذي تلعبه هذه العشائر سلباً وحتى إيجاباً إذ أنها تعزز النعرات العشائرية، وتعدّ مؤشر تخلف وارتداد تاريخي. إنّ مسؤولية ضبط الأوضاع ونشر الأمن والأمان ليست من مهام قوى موازية منفلتة وغير مؤسساتية، بل هي من أولويات الحكومة التي يجب أن تمارس دورها الوظيفي والوطني بمهنية عالية. فهل نعيش في معمعة حرب البسوس، أم حرب داحس والغبراء، لا يليق ببلد مثل سوريا هذا النكوص والارتداد في زمن يشهد فيه العالم ثورات تكنولوجية هائلة وأخرى معلوماتية متسارعة.
الفقرة الأكثر إثارة للجدل في الخطاب : هي مقولة السيد الوزير أنهم أعطوا “الكورد حقوقهم المشروعة كاملة ” لن أقف عند قائمة الحقوق الهزيلة التي حصل عليها الكورد في سوريا كشعب أصيل مقيم على أرضه التاريخية منذ القدم، وله دور بارز وإسهامات كبيرة في بناء سوريا قديما وحديثا. إن عبارة “المشروعة كاملة ” تستدعي السؤال التالي: هل الحقوق المشار إليها هي حقوق مشروعة أصيلة للكورد أقرّت/ أو مثبتة في الدستور أم أنها مجرد هبة من السلطة ووعود سياسية ربما تذروها رياح المتغيرات.
من جهة أخرى تعتبر الرسالة تبليغاً للجامعة العربية ووفودها المشاركة وللعالم أجمع بأن الكورد قد نالوا حقوقهم المشروعة في سوريا وما عدا ذلك يعتبر إخلالاً بالأمن وخرقاً للقوانين وتجاوزاً للخطوط الحمراء لأنّ المستحقات قد اكتملت.
كما أن العبارة ربما تخفي رسالة مبطنة للأطراف السياسية الكوردية، بأنّ باب الحوار بشأن المزيد من الحقوق قد أقفل، ولا نقبل مزيدا من فرص النقاش والطلبات.
وهي رسالة في التربية السياسية، للجماهير والجماعات السياسية المساندة للنظام، كونها تشرعن الإقتداء بها – باعتبارها تمثل توجهات الحكومة السورية المؤقتة ومن يقف خلفها، بأن يتخذوا منها قاعدة سياسية للوقوف في وجه كل من تتفتق شهيته نحو المزيد من المطالب.
بنية الخطاب جاءت أقرب إلى خطاب الدولة السلطوية، بدلاً من خطاب الدولة المدنية، ولذلك ظهرت نسبة المفاهيم الدالة على الدولة والقوة وربما العنف مثل : الردع، السلاح ، السيادة، الأمن. أكثر من نسبة المفاهيم الدالة على السياسة المدنية : مثل المواطنة، الحقوق، العدالة. بينما غابت عبارة الديمقراطية، والمجتمع المدني من الخطاب نهائيا، وبخصوص ذلك يقول الجابري أن الخطاب العربي عامة تغيب فيه مفاهيم السياسة المدنية اليونانية ” لأن العرب لم يعرفوا في تاريخهم دولة المدينة ” بينما نجد أن هذا الخطاب نفسه غني بالمفاهيم والتعابير الدالة على العنف السياسي، ” كونها أصيلة في اللغة العربية بل ومن طبيعتها “. (الجابري، نظرية ابن خلدون في الدولة العربية، الفكر العربي المعاصر ع : 28-27 – 1983)
بناءً على ما تقدم لا مناص من صياغة سؤالنا الأخير وهو سؤال مفصلي اختباري حول مهمة السلطة السورية هل هي مشروع لحماية المواطن والمجتمع، أم أن المواطن هو جزء من مشروع مهمته حماية السلطة، فإذا كان الخيار الثاني هو هدف السلطة أو البعض من أطرافها فمن المؤكد أن الدولة سوف تنزلق نحو النمط المركزي والأمني ومن ثم العودة مرةً أخرى إلى الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية.




