مقالات

برلمانُ سوريا يشرّع لاغتيال المرأة وسحق الطفل

د. محمود عباس

 أيُّ دَرَكٍ دستوري وانحطاطٍ ثقافيٍّ يريد بعض أعضاء مجلس الشعب السوري جرَّ البلاد إليه؟ نوابٌ خرجوا من كهوف العصور المظلمة ليتصدّروا سلطة التشريع، حاملين معهم فقهًا مشوَّهًا، ووعيًا متحجّرًا، ورؤيةً لا تنتج قانونًا، بل تصوغ الجهل في مواد دستورية، وتمنح التخلّف حصانة الدولة وهيبة المؤسسة.

ما طرحه عضوان داخل المجلس، وربما كانا ينطقان بلسان شريحة واسعة من أعضائه، في أثناء مناقشة التقرير الذي قدّمه وزير التربية والتعليم عن أعمال وزارته، وطرح المقترحات لمعالجة الواقع التعليمي المتردّي، لم يكن اختلافًا بريئًا في الرأي، بل عدوانًا صريحًا على العقل والمرأة والطفل ومستقبل المجتمع. فحين يزعم نائب أن المرأة قد «تسلّطت» على مهنة التعليم، وأن التدريس يحتاج إلى «قوة الرجل»، فهو لا يهين المعلّمة وحدها، بل يفضح ضحالة تكوينه وعجزه عن إدراك أن التعليم معرفة وكفاءة ورسالة، لا عضلات وفحولة واستعراضًا للسلطة. والأشد بؤسًا أن تُكسى هذه الجهالة بعباءة الفقه، عبر تأويلات سقيمة تسيء إلى الدين قبل أن تسيء إلى المرأة، وتحوّل النصوص إلى أدوات لإقصائها وإعدام دورها الحضاري.

اليوم يطالبون بإقصائها عن التعليم، وغدًا سيطردونها من دوائر الدولة، ثم يمحون حضورها من المجتمع، حتى تنتهي أسيرةً بين أربعة جدران؛ كائنًا منزوع الإرادة والصوت والحقوق. هكذا يبدأ اغتيال المرأة: مادةٌ مقترحة في البرلمان، وينتهي بسجن نصف المجتمع داخل البيوت.

ثم يخرج من القاع ذاته من يطالب بإعادة الضرب إلى المدارس، وكأن الطفل لا يُربّى إلا بالعصا، ولا يتعلّم إلا بالإهانة. إن شرعنة العنف في الصفوف ليست تربية، بل تأسيسٌ مبكر لثقافة العبودية؛ تُكسَر بها كرامة الطفل، ويُدرَّب على الخضوع، وتُغرس في وعيه طاعة القوة والخوف من السلطة. فريقٌ يريد اغتيال دور المرأة، وفريقٌ يريد سحق شخصية الطفل؛ وكلاهما يشترك في صناعة مجتمعٍ مروَّض، جاهل، مذعور، يسهل إخضاعه باسم الدين والتقاليد والتربية.

أيُّ رجولةٍ هذه التي لا تثبت ذاتها إلا بإقصاء المرأة؟ وأيُّ تعليمٍ يحتاج إلى رجل كي يضرب الأطفال ويعلّمهم الذل؟ ليست الرجولة في تحطيم المعلّمة، ولا التربية في جلد التلميذ، ولا التشريع في تقنين الجهالة. هذه ليست دولة تُبنى، بل بنية استبداد جديدة تستبدل سوط المخابرات بعصا الفقيه، وتستبدل القمع السياسي بالوصاية على العقول.

إن لم تُنقذ سوريا من براثن هذا الظلام الفكري، بعدما تمدّد من السلطة التنفيذية إلى التشريعية، واستعدّ لابتلاع السلطة القضائية، فإنها لن تتجه إلى بناء وطن، بل إلى خرابٍ أعمق وأطول عمرًا. لقد انتقلت البلاد من قبضة طغمة مجرمة إلى خطر سلطة تحمل في أحشائها نزعة تكفيرية جهادية، تريد إعادة تشكيل المجتمع وفق أوهامها الفقهية المغلقة. فالدمار المادي يمكن ترميمه، والطاغية يمكن إسقاطه، أما حين يتحول التطرّف إلى قانون، والجهل إلى منهج، والإهانة إلى تربية، فإن الخراب يستوطن العقول ويتوارثه الأبناء.

فأين نائبات هذا البرلمان، وأين أصواتهن أمام تشريعٍ يبدأ بإقصاء المرأة من التعليم، وقد ينتهي بسجنها بين أربعة جدران؟ إن صمتهن اليوم لن يكون حيادًا، بل تمهيدًا لإقصائهن غدًا.

سوريا تحتاج اليوم إلى ثورةٍ على الانحطاط الفكري بقدر حاجتها إلى الثورة على الاستبداد السياسي. فسقوط النظام المجرم لم يكن انتصارًا ما دامت البلاد قد سقطت في مستنقعٍ أشد ظلمة. لذلك لا بد من إحياء الثورة: ثورةٍ تحرّر الإنسان من الطاغية والفقيه المتسلّط معًا، وتصون كرامة المرأة والطفل، وتعيد للتعليم رسالته، وللعقل سيادته، ولسوريا وجهها الحضاري.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

15/9/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب