محمد عكو / ألمانيا
مقدمة:
ليس هذا نص احتجاج ، بل مرثية لأمةٍ أُنهِكت حتى صارت تتمنى النجاة من أفكارها قبل أن تنجو من أعدائها. في روجافا ، لم تعد المأساة سياسية فحسب ، بل وجودية ؛ حيث يُساوَم على الخبز بالشعارات، وعلى الكرامة بالفلسفة .
النص :
أيها الكردي ، في الأرض والسماء ، آن لك أن تستريح من الاعتصامات والاحتجاجات لأجل الأسعار والأوضاع الخدمية والمعيشية والسياسية والاجتماعية في روجافا.
فهناك مكونات وأعراق أخرى تعيش معكم على هذه الجغرافيا ، فليخرج السوريون العرب بكل أطيافهم ومكوناتهم أيضاً، فالبلاء والغلاء طوفانٌ يغمر الجميع دون استثناء .
ما عاد المشهد يحتمل ؛ ثأر عشائري ، وتمجيد شيخ بعباءة مزركشة بخيوط الذهب والفضة ، وغدر وخيانة وانتقام يُمارس تارةً باسم تطبيق شريعة الله .
شوارع تُغرقها جماهير مزركشة على إيقاع الطبل والزرنة ، تُرفع فيها صور ورايات تكلفتها كانت تكفي لإطعام آلاف العائلات العفيفة الطاهرة في تلك الجغرافيا الثكلى .
آلاف تهتف وتنحر صمت السماء لأجل لغة الأم، وهم أنفسهم جزء من الكارثة التي حطّت على ديارنا التي كانت آمنة .
كانت تلك الجماهير يوماً ما، تخرج مطالبة بفك العزلة والحرية الجسدية والنفسية للقائد في الأيام الخوالي .
وكانت يوماً ما ، تبارك الأرض والدموع بقدوم التوابيت الفارغة المزركشة بألوان الربيع الكردي .
وكانت يوماً ما، تُساق تلك الحشود البشرية إلى محرقة الهزيمة رقصاً وطرباً، تحت قاموس التهديد والوعيد لكل مخالف ورافض .
واليوم ، يُعاد تدويرها وتوجيهها لقبول هزيمةٍ جديدة اسمها ” الاندماج الديمقراطي “.
واليوم ، تُهلل طرباً وتمجيداً لمناصب وكراسٍ كلّفت الأمة آلاف التوابيت الفارغة ، وأشبعت الأرض حتى التخمة بأجساد ودماء أنبل بني البشر .
وقطيع النهج يراقب الكوارث والمصائب ، ويتباهى بأن صموده وصبره وعطوره وطقومه وعبوديته قد أخرجت المنطقة من الصراعات الدموية والانتقامية بين مكونات تلك الجغرافيا الثكلى .
عبيد البلاط يركعون سجّداً وطاعةً في القصور الفخمة . لديهم إيمان مطلق وقناعة راسخة بأن أي كارثة تحل في أرجاء المعمورة ، وفي أي رقعة جغرافية، محرّضها ومنفذها هو سليل الفلسفة وأنصار الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب ، حتى لو تعارك قطيع من الحمير لقالوا إن وراء هذا العراك فلسفة وفكر السروك الأبدي.. بينما هم ملائكة الرحمة والغفران من أجل لحمة وطنية سورية زائفة .
تقاسموا الكراسي، وتقاسموا غنيمة الركوع والسجود طرباً وفرحاً على المنصات الإعلامية ، وتناحروا تهديداً ووعيداً في المكاتب المغلقة من أجل تقسيم كعكة الذل والخنوع بينهم ، بينما كانت مخططات توحيد اللوحة السياسية الكردية السورية جاهزة للرفض ، حيث يُغذّى الانشقاق الحزبي لضمان وحدة الموقف السياسي الكردي في روجافا !
وبقي خارج حدود هذه اللعبة المرسومة بدقة متناهية ، لفك رموز هذه الوساخة والقذارة ، أبرياءُ كبراءة الذئب من دم يوسف :
أمة أهلكها الجوع والعطش والعوز، ونهش جسدها النحيل فرمانات صدرت بحق وجودها طوال حقبة حوكمة الريباز والفلسفة معاً .
عنجهية وجبروت سطوة الفلسفة ، وسكوت النهج ، كانا وجهين لعملة واحدة .
لقد ارتُكبت بحق هذه الأمة أبشع أنواع وأشكال البيع علانيةً في متاجر العهر الدولي والإقليمي والمحلي .
أمة تتبرأ يوماً بعد يوم من الانتماء القومي ، ليس خوفاً من سطوة التاريخ والعسكر ، إنما كرهاً وحقداً على المنهج والفلسفة معاً .
أمة ذاقت ويلات الاضطهاد والعوز والحرمان ومزاجية الحوكمة ، وكانت تردد في طياتها أن الغد الأجمل بات قاب قوسين أو أدنى.. لكنها تلقّت صفعة الحقيقة متأخرةً بعد خراب بصرى .
إنها أمة لم يعد يهمها من يحكم هناك .
أمة لا يهمها من يدير دفة القذارة الحزبية .
أمة لا يهمها من يستلم الكراسي والمناصب .
أمة لا يهمها من يدير شؤون مسقط رأسه .
أمة لا يهمها من يردد التكبير، ومن يردد ” بي سروك جيان نابه “.
أمة لا يهمها من يرتدي الشماغ الأحمر أو الأسود أو ألوان قوس قزح .
أمة لا يهمها من يأتي إلى دفة الحكم في سوريا..
كافر.. ملحد.. إسلامي.. داعشي.. إرهابي.. عروبي..
كردي اللسان..
عربي اللسان..
تركي اللسان..
أوجلاني العقيدة..
بارزاني النهج..
لا يهمها.
أمة تعيش على الأزمات وفقدان أبسط مقومات العيش هناك ، خرجت من طور الفكر البشري ، تسعى فقط إلى العيش دون أدلجة الخبز والماء .
أمة غدر بها النهج والريباز والسروك والفيلسوف معاً ، وبأبخس الأثمان والأسعار في أولى المزايدات والمناقصات الدولية والإقليمية والحزبية بحق وجودها.
إنها.. الأمة الكردية في روجافا .
هذه ليست دعوة للصمت ، بل صرخة أخيرة في وجه كل من حوّل قضية شعب إلى سلعة في مزاد الفلسفات والكراسي . فحين يُدلَج الرغيف ، لا يعود للشعارات معنى ، وحين يُباع الوجود بثمن بخس ، لا يبقى للانتماء قداسة .




