د. عدنان بوزان
في السياسة، ليست كل المصادفات بريئة، كما أن تزامن الأحداث، مهما بدا لافتاً، لا يكفي وحده لإثبات وجود مؤامرة أو تعمّد جنائي. لكن حين تتوالى الوقائع في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، وتتقاطع الجغرافيا والهوية والسلاح والدم، يصبح من واجب العقل السياسي والقانوني ألا يكتفي بالرواية الأولى، وألا يسلم بالتفسير الأسهل لمجرد أنه التفسير الذي قدم إليه.
ما جرى في الحسكة، ثم ما جرى في كوباني، يفرض التوقف عند تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في السياسة والأمن والقانون قد تكون هي مفاتيح المشهد كله.
قتل الشاب الكوردي سيبان بعد اختطافه في ظروف لا تزال، وفق ما هو متداول، بحاجة إلى كشف كامل للحقيقة وتحديد دقيق للجهات التي نفذت الجريمة، ولمن يقف وراءها أو سهلها أو وفر لها الغطاء، إن ثبت وجود مثل هذه الجهات. خرج الناس في كوباني غاضبين، لا بحثاً عن فتنة، ولا رغبة في تحويل القضية إلى صراع بين العرب والكورد، وإنما احتجاجاً على قتل شاب كوردي في ظل مناخ سياسي وأمني بالغ الحساسية.
ثم، في خضم هذا التوتر، اشتعل سجن كوباني.
هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
ليس السؤال فقط: كيف اشتعل السجن؟
بل السؤال الذي يبدو أكثر أهمية: من كان داخل السجن عندما اشتعل؟ ومن كان مسؤولاً عنه في تلك اللحظة؟
هذه النقطة يجب ألا تضيع وسط الضجيج الإعلامي والسياسي. فالسجناء الذين قضوا في الحريق، بحسب المعطيات المتداولة، لم يكونوا هم الأشخاص الذين خرجوا إلى الشارع احتجاجاً على مقتل سيبان، ولم يكونوا، وفق هذه الرواية، طرفاً في الاحتجاجات الأخيرة، وإنما كانوا معتقلين موجودين في السجن قبل تلك الأحداث.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً.
إذا كان هؤلاء المعتقلون لا علاقة لهم بالمظاهرة التي خرجت احتجاجاً على مقتل سيبان، فلماذا يربط حريق السجن تلقائياً بحالة الاحتجاج التي شهدتها المدينة؟ وإذا كانت الرواية المتداولة تقول إن بعض السجناء أشعلوا النار احتجاجاً على نقلهم إلى سجن حلب، فأين القرارات الرسمية المتعلقة بالنقل؟ ومن أصدرها؟ وهل كانت هناك إجراءات أمنية وإنسانية كافية لمنع وقوع كارثة داخل منشأة مغلقة؟
والأهم من ذلك كله: ماذا حدث في الدقائق التي سبقت اندلاع الحريق، وماذا حدث في الدقائق التي تلته؟
فهناك فارق جوهري بين سجين يحتج داخل السجن وبين سجين يموت داخل السجن.
حتى لو افترضنا، جدلاً، أن بعض المعتقلين قاموا بأعمال شغب أو أشعلوا النار، فإن ذلك لا يسقط تلقائياً مسؤولية الجهة القائمة على إدارة السجن. فالسجن ليس مكاناً عاماً يستطيع الإنسان فيه حماية نفسه أو مغادرة الخطر متى شاء؛ إنه منشأة مغلقة، والمعتقل موجود تحت سيطرة الجهة التي تديرها، ومن ثم فإن واجب حماية حياته وسلامته يصبح جزءاً أساسياً من المسؤولية القانونية والأمنية الواقعة على عاتق الإدارة.
ولهذا لا تكفي عبارة: «السجناء أشعلوا النار».
فحتى لو ثبتت هذه الواقعة، يبقى السؤال قائماً: ماذا فعلت إدارة السجن لإنقاذهم؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل كان الحريق بالفعل نتيجة فعل السجناء، أم أن هناك احتمالاً آخر ينبغي التحقيق فيه؟
لا يجوز الجزم بأحد الاحتمالين من دون أدلة. ولا يجوز، في المقابل، إغلاق باب الاحتمالات لمجرد أن رواية واحدة أصبحت هي الرواية المتداولة.
القانون لا يعمل بالانطباعات، والسياسة الرصينة لا تبني أحكامها على الشائعات، لكن كليهما يحتاج إلى الأسئلة عندما تكون الوقائع ناقصة أو الروايات متعارضة.
فإذا كان السجناء قد أشعلوا النار، فمن أشعلها تحديداً؟ وكيف؟ وفي أي مكان؟ وهل توجد تسجيلات لكاميرات المراقبة؟ وهل توجد شهادات مستقلة؟ ومتى بدأت النار؟ ومتى أُبلغت الجهات المسؤولة؟ ومتى بدأت عملية الإنقاذ؟ ومن أصدر الأوامر؟ وهل فتحت أبواب الزنازين؟ وإذا لم تفتح، فما السبب؟ وهل كانت هناك وسائل إطفاء وإنقاذ متاحة؟ وهل استخدمت في الوقت المناسب؟
هذه ليست أسئلة صحفية هامشية، بل أسئلة تتصل مباشرة بحياة أشخاص كانوا داخل منشأة مغلقة وتحت سلطة جهة يفترض أنها مسؤولة عن أمنهم وسلامتهم.
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
لماذا وقع الحريق في هذا التوقيت تحديداً؟
إذا كان السجناء قد احتجوا على نقلهم إلى حلب، فإن قرار النقل يجب أن يكون موثقاً، والجهة التي أصدرته معروفة، والمسؤوليات محددة. وإذا كان الخلاف بشأن النقل قائماً منذ فترة، فما الذي جعل الحريق يقع في هذه اللحظة تحديداً، وفي ظل حالة الاحتقان التي أعقبت مقتل سيبان؟
لا يعني التزامن، بذاته، وجود تعمد. لكنه يعني أن التزامن يستوجب التحقيق.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين تماماً: لا يجوز اتهام جهة محددة بإحراق السجن من دون دليل، كما لا يجوز اتهام أي طرف بالقتل أو التصفية أو التدبير المسبق لمجرد وجود قرائن زمنية أو سياسية. لكن في المقابل، لا يجوز أن يطلب من الناس قبول رواية جاهزة لمجرد أنها الرواية الأسهل، خصوصاً عندما تبقى أسئلة جوهرية بلا إجابات.
فالسياسة ليست محكمة للشائعات، لكنها أيضاً ليست غرفة لتلقي البيانات. والحقيقة لا تصبح أقل أهمية لأنها محرجة، ولا يصبح السؤال جريمة لأنه يزعج أصحاب النفوذ.
وما يجعل القضية أكثر خطورة هو أن مقتل سيبان نفسه وقع في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، حيث يمكن لأي جريمة ذات بعد قومي أو ثأري أن تتحول بسرعة إلى شرارة فتنة بين العرب والكورد.
وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
ليس كل من يرتكب جريمة باسم العشيرة يمثل العشيرة، وليس كل عربي مسؤولاً عن جريمة يرتكبها مسلحون، كما أن أي جريمة بحق كوردي لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام جماعي للعرب.
هذا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية وقانونية. لكن رفض التعميم لا يعني دفن الحقيقة.
إذا ثبت أن مجموعة مسلحة اختطفت سيبان وقتلته، فيجب تحديد هوية أفرادها، ومعرفة من يقودهم، ومن سلحهم، ومن أمرهم، ومن سهل حركتهم، ومن وفر لهم الغطاء، إن وجد مثل هذا الغطاء. وإذا ثبت وجود استخدام سياسي للهوية العشائرية لتصفية حسابات مع الكورد، فيجب كشف ذلك أمام القانون والرأي العام، لا تحويله إلى ذريعة لصراع أهلي شامل.
فالدولة التي تسمح بوجود السلاح خارج القانون، ثم تطلب من الضحية أن تصمت حفاظاً على «السلم الأهلي»، لا تصنع سلاماً؛ إنها تؤجل الانفجار.
والمسألة نفسها تنطبق على سجن كوباني.
إذا كان السجن تحت إدارة جهة محددة، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والإدارية عن المنشأة وعن إجراءات الحماية والإنقاذ، بالقدر الذي يثبته التحقيق. وإذا كانت المسؤولية قد انتقلت أو كانت في طور الانتقال من جهة إلى أخرى، فيجب تحديد الجهة صاحبة الاختصاص في اللحظة التي وقع فيها الحريق، وتحديد المسؤوليات بدقة.
أما ترك السجن في منطقة رمادية، بحيث لا يعرف المواطن من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية، فهو وصفة جاهزة للكارثة. “وكما حدث في ليلة الغدر في كوباني، أمتلك الكثير من المعلومات والمعطيات التي لم يكشف عنها حتى الآن، وحين يحين الوقت سأضعها أمام الرأي العام كاملة، وسأكشف ما جرى بعيداً عن الروايات المعلبة ومحاولات طمس الحقيقة.”
لا يمكن بناء دولة حديثة بمؤسسات أمنية متعددة المرجعيات، ولا يمكن أن يكون هناك أكثر من طرف يملك القرار في المكان نفسه، ثم لا يتحمل أحد المسؤولية عندما يسقط الضحايا.
الدولة، في جوهرها، تعني شيئاً بسيطاً وحاسماً:
أن تعرف من يملك القرار، ومن يملك السلاح، ومن يملك سلطة الاحتجاز، ومن يتحمل المسؤولية عندما يقع الخطأ أو تقع الجريمة. أما أن تتعدد السلطات عندما يتعلق الأمر بالقرار، ثم تختفي المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالدم، فهذه ليست دولة؛ إنها فوضى مؤسساتية مقنعة.
ولهذا فإن حريق سجن كوباني لا ينبغي أن يغلق بجملة: «السجناء أحرقوا أنفسهم».
حتى لو ثبتت صحة هذه الرواية، فهي لا تجيب عن السؤال الأهم:
لماذا لم ينقذوا؟
وقد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من معرفة من أشعل النار.
فإذا ثبت أن أحد السجناء أشعل النار، ثم ثبت في المقابل أن إدارة السجن قصرت في إجراءات الإنقاذ، أو امتنعت عن اتخاذ تدابير كان من الممكن أن تحول دون وفاة المعتقلين، فإن القضية لا تعود مجرد «حريق»؛ بل قد تنشأ عنها مسؤوليات قانونية وجنائية وفق ما يثبته التحقيق والأدلة.
أما إذا أثبت التحقيق أن إدارة السجن اتخذت جميع الإجراءات الممكنة، وأن الحريق انتشر بصورة مفاجئة وبسرعة حالت دون إنقاذ الضحايا، فعلى الجهات المسؤولة أن تقدم للرأي العام ما يثبت ذلك.
الحقيقة لا تخاف التحقيق.
والجهة التي لا تتحمل مسؤولية جنائية لا ينبغي أن تخشى كشف تسجيلات المراقبة، وسجلات الحراسة، ومحاضر الاتصالات، وتقارير الإطفاء، وتقارير الطب الشرعي، وشهادات العاملين والسجناء والناجين، وكل الأدلة التي يمكن أن تكشف التسلسل الحقيقي للأحداث.
أما إغلاق الملف بروايات متناقضة، أو الاكتفاء ببيان مقتضب، فهو الذي يفتح الباب أمام الشائعات والشكوك والاتهامات المتبادلة.
وهنا تتجاوز القضية سيبان وسجن كوباني.
إنها تتعلق بسؤال أكبر بكثير:
أي سوريا نريد؟
هل نريد سوريا تقوم على القانون، أم سوريا تحكمها موازين القوة؟
هل نريد دولة يكون فيها قتل الإنسان جريمة بصرف النظر عن قوميته، أم دولة يصبح فيها دم الكوردي أقل قيمة عندما تتعارض العدالة مع الحسابات السياسية؟
هل نريد مؤسسات أمنية تخضع للقانون والمساءلة، أم تشكيلات متعددة تستطيع أن تمارس السلطة ثم تختفي المسؤولية عندما يسقط الضحايا؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للكورد في سوريا الجديدة ليس فقط أن يقتل أحد أبنائهم، بل أن يقتل ثم تبدأ عملية قتل ثانية للحقيقة، عبر الروايات المتناقضة والتبريرات الجاهزة والتسويات التي تبنى على حساب دم الضحايا.
الحقيقة لا تعيد سيبان إلى الحياة، لكنها تمنع تكرار الجريمة.
والعدالة لا تمحو دماء الذين ماتوا في سجن كوباني، لكنها تمنع تحويل موتهم إلى حادث عابر يطوى مع الأيام.
لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس الانتقام، ولا تعبئة الشارع على أساس قومي، ولا تحويل العرب إلى خصم جماعي، ولا تحويل الكورد إلى ضحية أبدية.
المطلوب هو الحقيقة والعدالة والمساءلة.
نريد أن نعرف من قتل سيبان. نريد أن نعرف من اختطفه. نريد أن نعرف من أصدر الأمر، إن ثبت وجود أمر، ومن وفر الغطاء أو سهل الجريمة. ونريد أن نعرف، قبل كل شيء، ماذا حدث داخل سجن كوباني. من أشعل النار؟ ومن كان مسؤولاً عن السجن في تلك اللحظة؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن كان يملك قرار فتح الأبواب أو إبقائها مغلقة؟ متى بدأت عملية الإنقاذ؟ ما الإجراءات التي اتُّخذت؟ هل كان بالإمكان إنقاذ الضحايا؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فلماذا لم يتم إنقاذهم؟ هذه ليست أسئلة يطرحها من يريد الفتنة؛ بل أسئلة يطرحها من يريد دولة.
أما إذا كان هناك من يعتقد أن طرح هذه الأسئلة خطر على السلم الأهلي، فأنا أقول العكس تماماً:
إن إخفاء الحقيقة هو الخطر الحقيقي على السلم الأهلي. فالمجتمعات لا تنفجر لأنها تعرف الحقيقة؛ المجتمعات تنفجر عندما تشعر بأن الحقيقة ممنوعة، وأن دماء بعض أبنائها يمكن أن تهدر بلا حساب، وأن القانون لا يصل إلى أصحاب السلاح والنفوذ.
وإذا كانت سوريا الجديدة تريد فعلاً أن تختلف عن سوريا القديمة، فعليها أن تبدأ من هذه النقطة تحديداً:
لا حصانة لقاتل، ولا حماية لمسؤول، ولا غطاء لمسلح، ولا تبرير لموت سجين.
سيبان ليس رقماً. والذين ماتوا في سجن كوباني ليسوا أرقاماً. وكل دم أُريق في هذه البلاد يجب أن يقود إلى الحقيقة، لا إلى رواية جديدة، وإلى العدالة، لا إلى تسوية جديدة تدفن فيها المسؤولية مع الضحايا.
إن المطلوب ليس محاكمةً سياسيةً مسبقة، ولا انتقاماً جماعياً، بل تحقيق مستقل وشفاف وقابل للتدقيق، يحفظ الأدلة، ويحدد المسؤوليات، ويكشف الحقيقة كاملة، ويضع كل من تثبت مسؤوليته أمام القانون، أياً كانت هويته أو صفته أو موقعه.
فحين تكون المصادفة أكثر غموضاً من أن تكون مصادفة، يصبح التحقيق واجباً. وحين تتعدد الروايات، تصبح الحقيقة مسؤولية الدولة. وحين يموت الإنسان خلف باب مغلق، فإن السؤال عن الذي كان يملك مفتاح الباب لا يقل أهمية عن السؤال عمّن أشعل النار. فالعدالة لا تسأل: من هو الضحية؟ بل تسأل: من ارتكب الجريمة؟ ومن كان مسؤولاً عن منعها؟ ومن قصر في إنقاذ ضحاياها؟




