حسن قاسم
من يتابع ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي من بعض الصفحات والحسابات التي تتحدث باسم العشائر العربية في سوريا، لا بد أن يتوقف عند خطاب مقلق يتجاوز حدود المطالب العشائرية والاجتماعية، ليصل أحياناً إلى تمجيد تنظيم «داعش» والأفكار المتطرفة، مع استخدام لغة التحريض والكراهية ورفض الآخر.
وهنا يبرز السؤال المشروع: أين هي الدولة؟
إذا كانت سوريا قد دخلت مرحلة انتقالية هدفها إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، فمن غير المفهوم أن يبقى السلاح خارج سلطة الدولة، أو أن تتحول بعض العشائر إلى قوى مسلحة تفرض إرادتها على المجتمع، بينما تلتزم الحكومة الصمت أو تكتفي بالمراقبة.
بل إن السؤال الأخطر هو: هل هناك من يدعم هذه التشكيلات العشائرية من وراء الستار ويستخدمها كورقة سياسية وأمنية؟
لا يمكن بناء دولة حديثة بمنطق الولاءات العشائرية أو الفصائل المسلحة. العشيرة مكوّن اجتماعي أصيل ومحترم من مكونات المجتمع السوري، لكن احترامها لا يعني منحها حق امتلاك السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا تحويلها إلى سلطة بديلة عن الدولة والقانون.
إن سوريا ليست ملكاً لعشيرة أو طائفة أو قومية أو حزب. سوريا وطن متعدد القوميات والأديان والمذاهب والثقافات، وهذه التعددية كانت تاريخياً مصدر غنى لها، لا سبباً للصراع.
والأخطر من السلاح المنفلت هو الفكر المنفلت عندما يصبح التطرف أمراً طبيعياً، وعندما تُستعاد لغة الماضي التي أنتجت العنف والإقصاء، وكأن المطلوب إعادة سوريا إلى القرون الوسطى بدلاً من التوجه بها نحو دولة مدنية حديثة.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً نتيجة غياب الدولة وانتشار السلاح وتعدد مراكز القرار. ولذلك فإن استمرار هذه الظاهرة ينذر بعواقب خطيرة، ليس على مكوّن بعينه، وإنما على مستقبل سوريا كلها.
لا استقرار من دون دولة لجميع السوريين
إن معالجة هذه المشكلة لا تكون بمواجهة العشائر أو إقصائها، وإنما بدمجها في مشروع الدولة واحترام دورها الاجتماعي، وفي الوقت نفسه إخضاع كل السلاح لسلطة المؤسسات الشرعية، ومحاسبة كل من يحرض على الإرهاب أو الكراهية، أياً كان انتماؤه.
كما أن استقرار سوريا لن يتحقق بإعادة إنتاج الدولة المركزية القديمة، ولا بإقامة دولة دينية أو قومية أحادية اللون، وإنما من خلال دولة مدنية ديمقراطية لامركزية تعترف صراحة بتعدد مكوناتها القومية والثقافية، وتصون حقوقها وهوياتها، وتضمن المساواة والشراكة في إدارة البلاد.
فالدولة القوية ليست التي تخيف مواطنيها، وإنما التي تجعل الجميع يشعرون بأنها دولتهم.
وإذا كانت الحكومة الانتقالية تريد فعلاً بناء سوريا جديدة، فعليها أن تجيب بوضوح: من يملك السلاح؟ ومن يموله؟ ومن يحميه؟ ولماذا يُسمح لبعض القوى بأن تتصرف وكأنها فوق القانون؟
إن الصمت عن السلاح المنفلت والتطرف ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة، وربما تمهيد لانفجار أكبر.
سوريا بحاجة إلى دولة، لا إلى أمراء سلاح؛ وإلى مواطنة، لا إلى عصبيات؛ وإلى لامركزية ديمقراطية تحمي التعدد، لا إلى سلطة جديدة تعيد إنتاج الماضي.




