د. مرشد اليوسف
شهدت مدينة الحسكة، أمس، حادثة أليمة ومقلقة تمثلت في استدراج شاب كردي، كان قد خدم سابقًا في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، ثم قتله بطريقة وحشية تشبه أساليب تنظيم داعش. وحسب المعلومات المتداولة حول ملابسات الجريمة، فإن خطورتها لا تكمن في الجريمة ذاتها فحسب، وإنما في ما يمكن أن تتركه من آثار على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي في محافظة الحسكة والجزيرة السورية.
وتشير الرواية المتداولة إلى أن الشاب كان يعمل على أحد حواجز قسد عندما وقعت في وقت سابق حادثة مقتل اثنين من المهربين المنتمين إلى عشيرة البكارة، وأن عملية القتل جرت أثناء تأديته لمهمته، وأنه لم يكن يعرف الرجلين معرفة شخصية. كما تفيد المعلومات بأن القضية عولجت في حينها.
ولم تعد هناك قضية مفتوحة بين الطرفين.
والأخطر أن الشاب، بعد التحولات الأخيرةوالاندماج ، أصبح تابعًا للجيش السوري، الأمر الذي يجعل استهدافه اليوم أمرا خطيرا . ولا يمكن النظر إليه ببساطة باعتباره «ثأرًا» لحادثة قديمة، خصوصًا وإن تلك الحادثة قد حُسمت ، وكان الشاب يومها يؤدي مهمة رسمية.
إن إعادة فتح ملفات قديمة تحت عنوان الثأر، ثم تحويلها إلى عمليات قتل فردية وانتقامية، يمكن أن تفتح أبوابًا خطيرة أمام الفتنة. فالجزيرة السورية، بما تتميز به من تنوع قومي وعشائري وديني، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تثبيت قواعد المواطنة والقانون، لا إلى العودة إلى منطق الثأر والانتقام الجماعي.
ومن هنا، فإن المطلوب من الدولة السورية ليس فقط ملاحقة منفذي الجريمة، وإنما التحقيق العاجل والشفاف في جميع ملابساتها، وتقديم المتورطين إلى القضاء دون إبطاء، بعيدًا عن أي اعتبارات عشائرية أو سياسية أو قومية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الحذر من تحويل الجريمة إلى اتهام جماعي لعشيرة البكارة أو لأي مكوّن اجتماعي آخر. فالقاتل يتحمل مسؤولية جريمته بصفته فردًا أو مجموعة من الأفراد، ولا يجوز تحميل عشيرة أو قومية بأكملها وزر فعل ارتكبه أشخاص محددون.
إن الحسكة ليست بحاجة إلى جريمة جديدة تُضاف إلى سجل سنوات الحرب.
إنها بحاجة إلى دولة تحمي أبناءها، وقانون يساوي بينهم، ومجتمع يرفض الثأر والانتقام.
ولذلك فإن سرعة كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة ليست مجرد استحقاق قضائي، بل رسالة سياسية وأمنية إلى كل من يحاول الاستثمار في دماء السوريين لإشعال الفتنة وضرب السلم الأهلي في الجزيرة السورية.
فالجريمة يجب أن تنتهي عند حدود مرتكبيها، ولا ينبغي أن تتحول إلى شرارة تمتد إلى المجتمع كله.




