عبد الجابر حبيب
ليست المشكلة في سوريا أن جريمة تقع هنا أو حادثة قتل تقع هناك؛ فالجريمة، مهما كانت بشعة، يمكن أن تقع في أكثر الدول استقراراً. المشكلة تبدأ عندما تصبح الجريمة قابلة للتكرار، وعندما يتحول القتل من فعل فردي إلى رسالة، ومن خلاف محدود إلى ثأر، ومن حادثة جنائية إلى خطاب يستنفر جماعة ضد جماعة، ثم تقف الدولة صامتة، أو عاجزة عن الإمساك بخيط الأحداث قبل أن تتحول إلى نار عامة.
سوريا اليوم لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي نكتشف حجم الخطر. يكفي أن نراقب ما يحدث بين فترة وأخرى: تهديدات علنية، سلاح في الشوارع، مجموعات تتحدث باسم العشيرة، أو المنطقة، أو المكوّن، اتهامات متبادلة، جرائم قديمة تعود بعد سنوات لتطالب بدم جديد، ومقاطع مصورة تنتشر بسرعة أكبر من قدرة الدولة على التحقيق والتوضيح.
السؤال الحقيقي هنا ليس: من قتل من؟ فقط، بل: كيف وصلنا إلى مرحلة يستطيع فيها شخص مسلح أن يهدد مكوّناً كاملاً، أو أن يعلن الثأر، أو أن يتوعد منطقة، وهو مطمئن إلى أن شيئاً لن يحدث له؟
هذه النقطة هي بداية الانفلات الأمني.
فحين يدرك الفرد أن القانون لن يصل إليه، يبدأ في صناعة قانونه الخاص. وحين يشعر طرف أن خصمه محمي بالسلاح، يبحث هو أيضاً عن السلاح. وحين تتراجع المحكمة، تتقدم الفتنة. وحين يغيب التحقيق، تنتشر الروايات. وحين لا يجد الناس الحقيقة أمامهم، يصبحون أسرى لأول فيديو، وأول منشور، وأول صرخة تحريضية.
وهكذا لا تعود الجريمة جريمة فرد، وإنما تتحول إلى هوية جماعية.
يقتل شخص، فيقال: العرب فعلوا. أو الكرد فعلوا. أو الدروز فعلوا. أو العلويون فعلوا. أو هذه العشيرة فعلت. وهنا تبدأ الكارثة؛ لأننا ننتقل من محاسبة الجاني إلى معاقبة جماعة لا علاقة لمعظم أفرادها بالجريمة
المتهم شخص، وليس مكوّناً. والجريمة فعل، وليست هوية.
لكن لماذا تتكرر هذه الحالات؟
ربما يكون أول الأسباب هو تراكم السلاح خارج المؤسسة القانونية. سنوات الحرب السورية أنتجت عشرات القوى والتشكيلات ومراكز النفوذ، وجعلت السلاح في أحيان كثيرة وسيلة للحماية والنفوذ والردع وحل النزاعات. وسقوط سلطة قديمة لا يعني تلقائياً سقوط ثقافة السلاح في مستنقع الجهل.
والسبب الثاني هو الثأر المؤجل.
في بلد عاش سنوات من الحرب، هناك دماء كثيرة لم تصل إلى المحاكم، وملفات كثيرة أغلقت من دون عدالة حقيقية، وأشخاص قتلوا ثم بقي أهلهم يحملون أسماء القتلة في ذاكرتهم. وحين تغيب العدالة سنوات، لا يموت الثأر؛ إنه ينتظر.
قد تمر سنة أو ثلاث أو عشر سنوات، ثم تأتي لحظة يجد فيها أحدهم فرصة للانتقام، فيقول: الآن جاء الوقت.
وهنا يجب أن تكون الدولة أكثر صرامة، لا أكثر تساهلاً؛ لأن العدالة المتأخرة، مهما كانت ناقصة، أفضل من أن يتحول المجتمع إلى محكمة مفتوحة، يختار فيها كل طرف القاضي، والجلاد، والضحية في الوقت نفسه.
لكن هناك سبباً آخر لا يقل خطورة، وهو الإعلام حين يتحول من ناقل للخبر إلى محرّض على الفتنة.
ليس كل إعلام تحريضياً، وليس كل ناشط أو صحفي مسؤولاً عن الفوضى. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المنصات فضاءً للتهديد والتعميم والتشهير، وعندما يخرج شخص أمام الكاميرا غاضباً فيضع مكوّناً كاملاً في قفص الاتهام، أو يتحدث بلغة الانتقام، أو يستعمل عبارات تشعل الشارع بدلاً من أن تشرح الحقيقة.
الكلمة في بلد متعب من الحرب ليست مجرد كلمة.
جملة واحدة قد تصل إلى آلاف الناس خلال دقائق، وقد تتحول في الشارع إلى رصاصة.
والأخطر أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تنتظر التحقيق. هي تصنع حكماً قبل أن يصل المحقق إلى مكان الجريمة. صورة مبتورة، فيديو قديم، تسجيل صوتي مجهول المصدر، رواية من طرف واحد، ثم يبدأ الناس في بناء مواقفهم على معلومات لم يتم التحقق منها.
وبعد ساعات يصبح التراجع عن الكذبة أصعب من إطلاقها.
الدولة تكون دولة عندما تمنع السلاح من أن يصبح بديلاً عن القانون.
وجود مئات الحواجز لا يعني بالضرورة وجود أمن حقيقي. الأمن الحقيقي هو أن يستطيع مواطن أن ينتقل من منطقة إلى أخرى دون أن يتحول إلى أسير لهوية، وأن يستطيع المتهم الوصول إلى المحكمة بدلاً من الوصول إلى قبر، وأن تعرف الأجهزة الأمنية من خطف إنساناً ومن نقله ومن شارك في قتله، وألا يمر المسلح من عشرات النقاط دون أن يسأله أحد: من أنت؟ ومن أعطاك حق اقتياد هذا الإنسان؟
وإذا كان هناك شخص مطلوب بجريمة، فليُقبض عليه وفق مذكرة قضائية، وليُقدَّم إلى المحكمة كائن من كان، أمّا غير ذلك، فهذا يعني أن الدولة لم تفرض هيبة القانون.
فكل تهديد علني لا تتم محاسبته، وكل سلاح لا يدخل تحت سلطة الدولة، وكل جريمة لا تصل إلى قضاء مستقل، وكل خطاب يحرض على مكوّن سوري ولا يجد رداً قانونياً واضحاً، يضيف حجراً جديداً إلى جدار انعدام الثقة.
الناس لا يحتاجون دائماً إلى أن يعرفوا كل التفاصيل الأمنية، لكنهم يحتاجون إلى أن يروا العدالة تعمل.
العدالة الانتقائية ليست عدالة:
نريد أن نعرف: من قتل؟ لماذا؟ من خطف؟ من حرّض؟ من سهّل؟ ومن تستر؟
فالشباب الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب المشهد المسلح، ليست المشكلة في أعمارهم وحدها، بل في الثقافة التي تقول لهم إن حمل السلاح يمنحهم الحق في إصدار الأحكام. وأن يتحدث أحدهم أمام الكاميرا وكأنه الدولة والقانون والمحكمة والجيش في آن واحد، فهذه ليست شجاعة؛ إنها علامة على فراغ خطير.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا هو أن يعتاد الناس هذا المشهد، وألا يعود الفلتان الأمني مقتصراً على ما يحدث بين مكوّن وآخر، بل يتسلل إلى داخل المكوّن الواحد، وإلى تفاصيل الحياة اليومية. بيوت تحترق، قرى تتحول إلى ساحات حرب، وخلافات شخصية تنتهي بالرصاص.
ومن المضحك المبكي أن شاباً رُفض طلبه للزواج، فلم يجد وسيلة للاحتجاج على الرفض سوى السلاح، حتى ألقى قنبلة في باحة منزل الفتاة! حادثة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مشهد من مسرح العبث، لكنها في حقيقتها تكشف حجم الفلتان: لم يعد السلاح حاضراً فقط في الفتن والنزاعات الكبرى، بل صار حاضراً حتى في خلافات يفترض أن تُحسم بكلمة “لا”.
هنا لا تعود المشكلة في الكبتاغون وحده، بل في ثقافة السلاح التي جعلت امتلاكه واللجوء إليه أمراً عادياً؛ حتى صار رفض الزواج قابلاً لأن يتحول إلى معركة.
سوريا ليست بحاجة إلى مزيد من الدم كي تعرف أن الطريق خطأ. فقد دفعت ثمناً يكفي لأجيال.
سوريا تحتاج إلى شيء أكثر بساطة، وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: دولة واحدة، وقانون واحد، وقضاء لا يخاف من أحد.
ومن يقتل، أياً كان اسمه ومكوّنه، يُحاسب.
ومن يهدد، أياً كان موقعه، يُحاسب.
ومن يحرض على جماعة سورية، يُحاسب.
ومن يثبت أنه ارتكب جريمة في الماضي، يُحاكم على جريمته، لا أن يُقتل في الشارع انتقاماً.
وفي المقابل، لا يجوز تحويل دم الضحية إلى رخصة لاتهام مكوّن كامل أو مهاجمة مؤسسات الدولة أو الانتقام من الأبرياء.
لأننا إذا قبلنا بهذه القاعدة، فلن تنتهي السلسلة.
سيقتل هذا باسم ذاك، ثم يقتل ذاك باسم هذا، ثم يأتي ثالث يحمل ثأراً قديماً، حتى يصبح لكل بيت دفتر دم، ولكل شارع ذاكرة ثأر، ولكل مكوّن قائمة طويلة من الضحايا.
وعندها لن يكون السؤال: من بدأ؟
سيكون السؤال: من بقي؟
إن إنقاذ سوريا من الانفلات الأمني لا يبدأ فقط من الشوارع، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. وهذه الثقة لا تُبنى بالبيانات وحدها، وإنما بالفعل: تحقيق نزيه، محاسبة واضحة، قضاء حاضر، سلاح تحت سلطة الدولة، وإعلام مسؤول.



