عبداللطيف محمد أمين موسى
إن الظلم والقهر والحرمان، والكثير من السياسات والأساليب القذرة التي مورست بحق الشعب الكُردي، استهدفت تغيير كيانه ووجوده، وإلغاء الهوية الوطنية، وإضعاف الانتماء القومي لكوردستان، ولمبادئ وقيم نهج البارزاني الخالد، وتحريف جميع مفاهيمه ومعتقداته.
لدى القراءة المنهجية والواقعية للكثير من الحركات التحررية والثورات التي اندلعت في العالم، لوجدنا بأن لكل ثورة خصوصيتها، والكثير من العناصر التي مهدت لتلك الثورة، جميعها تنطلق من إطار مبدئي واحد، ألا وهو التخلص من الواقع المظلم بكل جوانبه الذي أثقل كاهل تلك الشعوب، نحو واقع أكثر إشراقاً يضمن كرامته وحقوق أبنائه، والأمل ببناء مستقبل تسوده العدالة والمساواة بين عموم أفراد المجتمع، بعيداً عن الظلم والتفرقة على أساس العنصر أو الجنس أو الدين أو الطائفية أو القومية.
وكما أن الشعب الكردي المكافح قد ناضل على مدى أكثر من قرن من أجل نيل حقوقه القومية المشروعة، وانتفض في الكثير من الثورات، ابتداءً من ثورة عبيد الله النهري، وثورة سعيد بيران، وشيخ محمود الحفيد، وثورات بارزان، وثورة أيلول التحررية، حيث كانت أهداف تلك الثورات تنبع من منطلق التخلص من الظلم وخلق كيان مشروع للشعب الكوردي أسوة بباقي الشعوب في العالم.
قامت ثورة أيلول التحررية بزعامة الأب الروحي للشعب الكردي، البارزاني الخالد، في الحادي عشر من أيلول سنة 1961، كرد فعل للسياسة الفردية لعبد الكريم قاسم وانحرافه عن مبادئ ثورة تموز، وسيطرة القوى القومية والشوفينية على زمام الأمور في العراق. وهذا ما أربك العملية السياسية، وعمل على تغيير مسارها الشعبي الثوري إلى حكم فردي استبدادي، وتمت مصادرة الحريات الثقافية والسياسية، حيث امتلأت السجون بالمناضلين من الشخصيات الوطنية والديمقراطية التي كانت تسهر على حماية الشعب وتدافع عن تطلعاته.
وقد باشرت بعض الأطراف السياسية المتعاطفة مع حكومة قاسم في تلك الفترة باتباع حرب نفسية ضد قيادات ثورة أيلول والبارزاني الخالد، فقد تم بث الإشاعات حول أن البارزاني الخالد قام بترك منطقة بارزان وتوجه نحو منطقة بهدينان، تمهيداً للجوئه إلى الاتحاد السوفيتي مرة أخرى. إلا أن تلك الإشاعات كانت تنصب ضمن إطار الحرب النفسية، وكان يراد من خلالها التأثير على الحالة المعنوية للشعب الكوردي المنتفض، ومحاولة زرع الشكوك بينه وبين قيادته الثورية، إلا إن تلك المحاولات الخائبة باءت بالفشل الذريع نتيجة التلاحم الصميمي بين الجماهير وقيادته المخلصة، والنهل من مدرسة البارزاني الخالد، فضلاً عن إيمانه الراسخ بعدالة قضيته المشروعة التي يقودها البارزاني الخالد.
هكذا بدأت وانطلقت ثورة أيلول، بنضال أبناء شعبنا الكوردي وسواعد البيشمركة الأبطال، وفكر قادتها العظام، ولم تنطفئ شعلتها إلا بعد أربعة عشر عاماً، بعد أكبر مؤامرة خيانة دولية في الجزائر، سميت باتفاقية الجزائر المشؤومة سنة 1975، والتي نصت على منح إيران جزءاً من شط العرب مقابل قطع المساعدات عن الحركة التحررية الكوردية في كوردستان الجنوبية، حيث باع صدام أرضه وعرضه لإيران مقابل إسكات الكورد عن المطالبة بحقوقهم المشروعة.
نعم، أُصيبت ثورة الكورد بنكسة سياسية، لكنها لم تنته ولم تتوقف مسيرتها الثورية والعسكرية، بل واصل الثوار الأبطال (البيشمركة) بإشعال فتيل ثورة كولان في 1976 كامتداد لثورة أيلول.
وهنا لا يمكن للتاريخ نكران عظمة الدور البطولي لكل من السروك مسعود بارزاني الذي حمل السلاح في 1962، وأخيه إدريس بارزاني الخالد، بإشرافهم المباشر على جبهات القتال إلى جانب البارزاني الخالد.
ثورة أيلول من أهم المعاني التي أنجزها أنها أظهرت للعالم عدالة قضية الشعب الكردي، كما أظهرت التلاحم بين أبناء الشعب الكردي، والذي فشل الأعداء في المراهنة على تلك اللحمة، والتي حاول الكثير ضربها. كما أظهرت رفض الشعب الكردي وعدم خضوعه للظلم والاستبداد الذي كان يُمارس عليه منذ القديم ومن قبل حكام المنطقة.
أصبحت مدرسة لا يُستغنى عن تجاربها وتراثها في مسيرة البارزاني الخالد والحركة التحررية الكوردية بشكل عام. ثورة أيلول كانت ثورة الكورد جميعاً من شرق كوردستان إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وبكل طبقات الشعب وفئاته وأديانه ومذاهبه.
ومن أعظم إنجازات ثورة أيلول التحررية اتفاقية آذار 1970، والاعتراف الرسمي للحكومة العراقية بحقوق الكورد ومنح الحكم الذاتي لكوردستان.
تحية إجلال وإكبار ووفاء بمناسبة الذكرى السنوية لثورة أيلول العظيمة، وتحية إجلال لأرواح البيشمركة الأبطال وشهداء الثورة الأبرار.




