فيصل اسماعيل اسماعيل
تجاوزت حادثة اختطاف ومقتل الشاب سامي شيخموس حسو (المعروف بـ “سيبان حزني”) إطارها الجنائي المجرد، لتتحول إلى حدث سياسي وأمني مفصلي يضع المنطقة الشرقية في سورية أمام اختبار حقيقي وخطير. إن قراءة الظروف التي أحاطت بالجريمة، بدءاً من طريقة التخطيط وصولاً إلى أسلوب التنفيذ والاستعراض، تؤكد أن المشهد يتجاوز نطاق الحوادث الفردية العابرة، ليعكس عملية منظمة تحمل رسائل أمنية وسياسية بالغة الخطورة موجهة لجميع أبناء المنطقة.
أولاً: جريمة منظمة وبصمات استدراج منهجية
تُظهر الوقائع الميدانية أن الحادثة ارْتُكبت وفق سلوك أمني مركب ومخطط له بعناية، يتضح من خلال معطيات أساسية:
*إن عملية نقل الضحية واستدراجه من محافظة الحسكة إلى عمق محافظة دير الزور تتطلب شبكة رصد وتنسيق لوجستي، وهو ما ينفي تماماً فرضية العفوية أو الشجار اللحظي.
* مشاركة مجموعة مسلحة في عملية القتل والتفنن في تصفية الضحية بنحره ونشر المادة المصورة، ليس سوى سلوك استعراضي مقصود يهدف إلى إشاعة الرعب وتأجير الشارع وتوجيه ضربة مباشرة لجهود الاستقرار.
ثانياً: استعادة النمط الداعشي والذاكرة الجمعية
إن الأسلوب الوحشي في الإعدام والتمثيل بالجثة يعيد إلى الأذهان فوراً النمط الإرهابي لتنظيم “داعش”؛ وهو ما استعاد في الذاكرة الجمعية لأبناء الشعب الكوردي وشعوب المنطقة مشاهد الجرائم النكراء، وعلى رأسها جريمة إعدام الشهيد هوجام سورجي.
هذا التشابه الصريح في تكتيكات الإرهاب والاستعراض البشري يشير إلى أن الجهات المنفذة—سواء كانت خلايا نشطة للتنظيم أم مجموعات ارهابية إجرامية متطرفة تتبنى عقيدته—تسعى عمداً إلى:
* إعادة إنتاج العنف القومي والطائفي وإشعال الفتنة بين العرب والكورد في مناطق التماس بـ “دير الزور والجزيرة”.
* ضرب الثقة بالترتيبات الأمنية والمؤسسية عبر إثبات القدرة على الحركة والتصفية الميدانية للشباب والمجندين.
* فرض حالة من الترهيب النفسي لإجبار السكان على مواجهة خيارات صعبة تتراوح بين الخضوع أو الانزلاق نحو ردود أفعال ثأرية.
ثالثاً: التوقيت الحرج وتحديات السلم الأهلي
تأتي هذه الجريمة في وقت حساس تمر فيه المنطقة بفرز أمني وسياسي معقد، وتداخلات بين القوى المحلية والإقليمية. وإن اختيار دير الزور تحديداً كمسرح لتنفيذ الجريمة ضد شاب ينحدر من الحسكة، يهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث شرخ عميق بين العشائر العربية والسكان الكورد، وتأطير الجريمة في خانة “الصراع القومي”، في تكرار لمحاولات شق الصف المجتمعي التي شهدتها المنطقة في محطات تاريخية سابقة كـأحداث عام 2004 واغتيال الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي عام 2005.
رابعاً: الاستحقاقات المطلوبة لتطويق الفتنة والمحاسبة
لتفادي السيناريوهات الكارثية والانزلاق نحو اقتتال أهلي لا يخدم سوى التنظيمات الإرهابية، يتوجب التعاطي مع هذه القضية وفق خطوات حاسمة:
التوصيف القانوني الصارم التعاطي مع الحادثة كـ “عملية إرهابية منظمة وتصفية ميدانية” وليست مجرد قضية جنائية عادية أو شجار عشائري.
و عدم الاكتفاء بملاحقة المنفذين المباشرين، بل ملاحقة وتفكيك كافة عناصر الشبكة التي سهلت عمليات الرصد والاستدراج والإيواء بين المحافظتين.
و المسؤولية الوطنية للعشائر والقوى المحلية إصدار مواقف صريحة وشجاعة من وجهاء العشائر العربية والقيادات الكوردية تُعرّي الجناة وتؤكد أن الإرهاب لا دين له ولا قومية، وأن دماء أبناء المنطقة واحدة في مواجهة الجماعات الخارجة عن القانون.
إعلان نتائج التحقيقات بشفافية أمام الرأي العام للقطع مع الإفلات من العقاب ولتفويت الفرصة على خطابات الشحن والتحريض الرقمي.
خامسا:
أمام هذا المنعطف الخطير، يقع على عاتق الحركة الوطنية الكوردية قيادة الموقف السياسي والشارع بحكمة وصلابة، عبر خطوات مركزة:
* تأطير الخطاب الإعلامي والسياسي: رفض انجرار الشارع نحو التحريض القومي، والتشديد الصريح على أن الجريمة عمل إرهابي منظم ينفذه طرف خارج عن القانون، ولا يتحمل وزره المكون العربي أو العشائر المحلية.
* التنسيق العاجل مع المكونات والعشائر: تشكيل قنوات تواصل وبناء مساحات عمل مشتركة مع وجهاء دير الزور والحسكة لتجريد الإرهاب من أي غطاء مجتمعي ونزع فتيل الفتنة.
* المطالبة بالشفافية وتوثيق الجريمة: الضغط الحقوقي والأمني لكشف شبكة الاستدراج كاملة، وتوثيق الحادثة أمام المنظمات الدولية للتحذير من خطورة استعادة أساليب تنظيم “داعش”.
خاتمة:
إن مقتل سيبان حزني بهذه الوحشية المنظمة هو جرس إنذار شديد الخطورة لمخاطر عودة الإرهاب بوجوه مختلفة. وإن حماية النسيج المجتمعي صوناً لدماء كافة أبناء المنطقة تتطلب الاحتكام إلى العدالة الناجزة، وتفويت الفرصة على كل من يسعى لتحويل دير الزور والجزيرة السورية إلى مسرح للفتنة والاقتتال الداخلي.



