عدنان بدرالدين
لا تُقاس قيمة الاعتراف باللغة بما يضيفه إلى النصوص وحدها، بل بما يتيحه لأصحابها في حياتهم اليومية. ففي الحالة الكردية في سوريا، لا يبدأ النقاش من فراغ: هناك مدارس استُخدمت فيها الكردية لتدريس مواد متعددة، ومناهج وكوادر ومؤسسات نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية. لذلك، بعد فحص القيمة القانونية للمرسوم 13 وحدود ضماناته، يصبح السؤال: ماذا يحدث لهذه الممارسة القائمة حين تدخل ضمن الترتيبات التعليمية والإدارية للدولة؟
هذا السؤال يغير زاوية النظر. فإدراج الكردية في المنظومة الرسمية قد يبدو تقدمًا حين نقارنه بسياسة استبعادها السابقة، لكنه لا يحمل المعنى نفسه بالنسبة إلى طالب اعتاد تعلم معظم مواده بلغته، ثم أصبح مطالبًا بدراستها بالعربية مع الاحتفاظ بحصص لتعلم الكردية. هنا يتعين فحص ما يتغير في المدرسة، وما يكتسبه الطالب وما يفقده، قبل إصدار الحكم على قيمة الاعتراف الجديد.
بأي واقع نقيس التغيير؟
يمكن قراءة الإجراءات الجديدة انطلاقًا من معيارين. الأول هو سياسة الدولة السورية التي أبقت الكردية خارج تعليمها الرسمي طويلًا. وفق هذا المعيار، يمثل إقرار مكان لها في المدرسة تغيرًا يستحق الاعتبار. أما المعيار الثاني فهو التعليم بالكردية الذي تطور في مناطق الإدارة الذاتية. وبالمقارنة معه، يصبح الاكتفاء بتدريس اللغة مادةً مستقلة تضييقًا لمجال استعمالها حيث كانت لغةً لتدريس مواد متعددة.
ولا يتعلق الأمر بتناقض في التقييم، بل باختلاف الواقع الذي نقيس عليه. يمكن للغة أن تحصل على اعتراف رسمي أوسع، بينما تخسر جزءًا من وظائفها التعليمية القائمة. ويمكن لشهادة أن تصبح أكثر قبولًا لدى مؤسسات الدولة، فيما تصبح لغة الطالب أقل حضورًا في الدراسة التي تؤدي إليها.
ولم تكن التجربة التعليمية واحدة في المناطق الكردية. فقد تزامن وجود مدارس تابعة للإدارة الذاتية تستخدم الكردية لغةً لتدريس مواد متعددة، مع مدارس تعتمد المناهج الحكومية وتدرّس بالعربية، ولم تكن الكردية جزءًا من تعليمها. لذلك تختلف آثار الترتيبات الجديدة باختلاف المدرسة: فإدخال حصص للكردية إلى مدرسة كانت تستبعدها يوسع حضورها، بينما يؤدي إحلال هذه الحصص محل التعليم بها في مدرسة أخرى إلى تقليص دورها.
من هنا لا تكفي عبارة «إدخال الكردية إلى المدارس» لوصف ما يجري. ينبغي تحديد المدارس والمراحل المشمولة، ولغة تدريس المواد فيها قبل التعديل وبعده، ومدى استمرارية المسار التعليمي للطلاب. فالاعتراف القانوني مهم، لكن أثره يتحدد في المدرسة التي يدخلها الطفل كل صباح.
ماذا يتغير حين تصبح اللغة مادة دراسية؟
الفرق بين تدريس اللغة والتعليم بها أوسع من عدد الحصص. فحين يدرس الطالب الجغرافيا بالكردية، يتعلم من خلالها وصف المكان وفهم العلاقات بين السكان والموارد والبيئة. وحين يدرس التاريخ بها، يستخدمها لقراءة الوقائع ومناقشة أسبابها وصياغة حججه. أما حين يتعلم قواعد الكردية وقراءتها في حصص محددة، فإنه يكتسب مهارات ضرورية، لكنها لا تؤدي وحدها جميع تلك الوظائف.
هذا الفرق يمتد إلى خارج الصف. فالتعليم بلغة ما يخلق حاجة إلى كتب ومصطلحات ومدرسين ومراجعين ومؤلفين. ومع استمرار هذه العملية، تتسع قدرة اللغة على استيعاب مجالات المعرفة. أما تقليص استخدامها إلى مادة دراسية، فيحد من الطلب المؤسسي على هذه الأعمال، حتى لو بقي حضورها قويًا في البيت والشارع.
في المادة الثالثة من المرسوم 13، ورد السماح بتدريس الكردية ضمن المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي، في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان. ثم جاءت التعليمات المعدلة في 27 آب/أغسطس 2026 لتقرر ثلاث حصص أسبوعية للغة مع احتساب درجتها، وحصة للأنشطة. وأتاحت، خلال أول عام دراسي يلي نفاذ القرار، اختيار العربية أو الكردية لدراسة الاجتماعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، مع قصر هذا الخيار على ذلك العام.
يرجح من هذه الترتيبات أن الاتجاه هو اعتماد العربية لغةً أساسية للتعليم، وحصر الكردية في حصص دراسية ضمن المدارس المشمولة بالقرار. فالسماح باستخدام الكردية لتدريس المواد المذكورة مقيد بعام واحد، بينما يتركز الترتيب المستمر على تدريس اللغة نفسها. وفي هذا السياق، يمكن فهم الخيار الانتقالي بوصفه إجراءً لتخفيف صعوبة التحول واحتواء الاعتراضات المتوقعة على إنهاء مسار تعليمي بالكردية تشكل خلال أكثر من عقد، أكثر من كونه تأسيسًا لاستمراره.
ويعزز هذه القراءة غياب ضمان صريح ودائم للتعليم بالكردية، ضمن إطار دستوري يثبت العربية لغة رسمية دون أن يقر حقوقًا لغوية كردية محددة. ولا يفرض اعتماد العربية رسميًا، بذاته، استبعاد التعليم بلغات أخرى؛ لكن الترتيبات المعتمدة لا تحمي استمراره بالكردية بعد الفترة الانتقالية.
لذلك يبدو أن الاعتراف الجديد يتجه إلى قبول الكردية مادةً تُدرَّس، مع تقليص موقعها لغةً لتدريس المعرفة. وهذه قراءة لاتجاه القرارات، لا ادعاء بأن جميع المدارس أنهت التحول بالفعل. غير أن انتظار اكتمال التنفيذ قبل مناقشة نتائجه يحرم المجتمع من المشاركة في قرار يمس مستقبل أبنائه.
إصلاح التعليم دون إهدار لغته
لا يقتضي الدفاع عن التعليم بالكردية تجميل التجربة التي نشأت في ظل الإدارة الذاتية. فقد كان التوجه الأيديولوجي الأوجلاني حاضرًا في إعداد المناهج وفي تصور وظيفة المدرسة وتكوين الكوادر. وتداخلت التربية مع مشروع الحزب المهيمن، بما ضيق مساحة الاختلاف والمشاركة المجتمعية المستقلة في توجيه العملية التعليمية ومساءلتها.
كما واجهت التجربة مشكلات في التأهيل والجودة والاعتراف بالشهادات. ولا يصح اختزال هذه المشكلات كلها في ظروف الحرب أو في رفض الآخرين للتجربة؛ فخيارات الإدارة وطريقة بناء مؤسساتها جزء من موضوع النقد. وفي المقابل، لا يتيح ذلك تعميم حكم واحد على كفاءة جميع المدرسين أو إنكار الجهد الذي بذله كثيرون في ظروف شديدة الصعوبة.
تبدأ المراجعة الجدية من فصل المعرفة عن الولاء الحزبي. فكتاب التاريخ لا ينبغي أن يكون وسيلة لتثبيت رواية تنظيم واحد، وتأهيل المدرس يجب أن يقاس بقدرته العلمية والتربوية. والمشاركة المجتمعية تحتاج إلى مجال يستطيع فيه الأهالي والمختصون الاعتراض واقتراح البدائل، دون أن يعامل اختلافهم بوصفه موقفًا معاديًا للغة أو للقضية الكردية.
لكن تغيير لغة التعليم لا يعالج هذه العيوب بذاته. يمكن نقل مضمون أيديولوجي من الكردية إلى العربية، كما يمكن إعداد منهج بالكردية يلتزم المعرفة والنقد والتعدد. ويمكن تحسين تدريب المدرسين وإخضاع التعيين والتقييم لمعايير مهنية مع الاحتفاظ باللغة الأم وسيطًا للتعليم.
لهذا ينبغي رفض المقايضة التي تضع الطالب أمام خيارين: تعليم بلغته يعاني ضعفًا وتسييسًا، أو تعليم معترف به يضيق مجال استخدام تلك اللغة. المطلوب بناء تعليم أفضل بالكردية، يتيح في الوقت نفسه إتقان العربية ولغات أخرى. فتعلم العربية حاجة عملية وثقافية ووطنية، لكنه لا يستلزم إخراج الكردية من تدريس المعرفة.
ويمتد النقاش إلى مؤسسات التعليم العالي التي نشأت في المنطقة، مع ضرورة التمييز بين الجامعات والتخصصات ولغات التدريس فيها. فلا يجوز افتراض أن جميع برامجها كانت بالكردية، ولا تعميم القرار المدرسي عليها. غير أن مستقبل الطلاب وشهاداتهم ومساراتهم الجامعية يجب أن يكون جزءًا من أي تسوية تعليمية جادة.
من يقرر شؤون المدرسة؟
يكشف التعليم سريعًا أن الحقوق اللغوية ترتبط بتوزيع الصلاحيات. فمن يحدد المدارس المشمولة؟ ومن يقرر لغة المواد ومحتواها؟ ومن يعين المدرسين ويقيّم أداءهم؟ وما الدور الذي يملكه الأهالي والهيئات المحلية في هذه القرارات؟
حين تبقى الإجابات كلها في يد المركز، تصبح ممارسة الحق مرتبطة بقرارات لا يشارك أصحابه في صنعها إلا بقدر ما تسمح به الإدارة. وتزداد المشكلة حين تكون معايير الاستفادة غير محددة بما يكفي. فعبارة «نسبة ملحوظة» تحتاج إلى تفسير معلن ومنصف، خصوصًا في مناطق غيّر النزوح والتهجير تركيبها السكاني. ولا ينبغي أن تتحول نتائج الاقتلاع من المكان إلى سبب إضافي لتقليص الحقوق فيه.
ولا يعني إشراك المجتمع المحلي ترك المدرسة دون معايير عامة. تستطيع الدولة وضع متطلبات مشتركة لجودة التعليم والامتحانات والاعتراف بالشهادات، مع إتاحة تعدد لغات التدريس ومشاركة محلية فعلية. فتوحيد مستوى التأهيل لا يفرض توحيد لغة المعرفة في جميع المدارس.
وفي المقابل، لا تتحقق المشاركة المحلية بمجرد نقل القرار من وزارة مركزية إلى جهاز حزبي. ينبغي أن يكون للأهالي والمدرسين والمختصين دور مستقل، وأن تُحمى حقوق العرب والسريان والآشوريين وغيرهم في المناطق المشتركة. فالدفاع عن الكردية يستند إلى مبدأ يقتضي احترام لغات الآخرين أيضًا، وضمان ألا تتحول المدرسة إلى أداة لفرض هوية على أصحاب هوية أخرى.
من هنا تتضح حدود الاكتفاء بدمج الموظفين والمباني ضمن مؤسسات الدولة. فقد يبقى المدرس في مكانه، لكن تتغير المادة التي يدرسها واللغة التي يستخدمها وحدود مشاركته. وقد تستمر المدرسة في العمل، بينما تنتقل القرارات المتعلقة بها إلى جهة بعيدة عن مجتمعها. لذلك ينبغي تقييم الاندماج بوظائف المؤسسات والصلاحيات التي تمارسها، إلى جانب استمرار خدماتها.
ما الذي ينبغي أن يحفظه الانتقال؟
يحتاج الانتقال التعليمي إلى حماية مسار الطالب قبل أن يصبح مناسبة لإعلان اكتمال توحيد المؤسسات. فالطفل الذي تعلم سنوات بلغة معينة يحتاج إلى ترتيبات تربوية مدروسة إذا تغيرت لغة بعض مواده. ولا يجوز أن يتحمل وحده كلفة قرارات سياسية أو إدارية لم يشارك فيها، أو أن يُعامل تعثره المحتمل بوصفه قصورًا شخصيًا منفصلًا عن ظروف هذا التحول.
وتحتاج الشهادات والمؤهلات إلى معالجة شفافة تستند إلى تقييم المناهج الدراسية والمعارف والمهارات التي اكتسبها الطلاب، مع إتاحة برامج لاستكمال أي نقص عند الضرورة. كما يحتاج المدرسون إلى تدريب وفرص عادلة لإثبات كفاءتهم، بدل قبولهم أو استبعادهم على أساس الانتماء السابق وحده. أما المناهج فتحتاج إلى مراجعة علمية تزيل التلقين الحزبي وتحفظ التاريخ والثقافة واللغة من الإقصاء.
ويظل ضمان الاستمرارية أساسيًا. فتعليم يبدأ بالكردية ثم ينتهي دون مسار واضح في المراحل التالية يبقى معرضًا للانقطاع. ولذلك يجب تحديد موقع اللغة عبر المراحل، وتأمين الكتب والكوادر والموارد اللازمة، وإتاحة الاعتراض على القرارات التي تعطل هذه الالتزامات.
بهذه المعايير يمكن تقييم الاعتراف الجديد دون إنكار قيمته أو المبالغة فيها. فقد تكون له فائدة حقيقية حيث يفتح مجالًا كان مغلقًا، بينما تكون آثاره مختلفة حيث يحل محل ممارسة أوسع. وعدالة الانتقال تقتضي أن يرفع جودة التعليم ويحمي الحقوق معًا، بدل أن يجعل الاعتراف بالشهادة مشروطًا بتقليص حضور اللغة.
غير أن ترجيح انتقال الكردية من لغة للتعليم إلى مادة محدودة يضع هذه المسألة خارج نطاق الإصلاح التربوي وحده. فهي تتصل أيضًا بمن يملك القرار في سوريا الجديدة، وبالمصالح الإقليمية التي تؤثر في خياراته. وهنا ينبغي فحص الدور التركي، ومدى التقاء موقف أنقرة من الحقوق والمؤسسات الكردية مع رغبة دمشق في استعادة القرار المركزي، دون افتراض أن كل تفصيل تعليمي يصدر بتوجيه خارجي.
فالمدرسة تكشف ما قد تخفيه الصياغات السياسية العامة. وفيها يتحدد إن كانت الكردية ستبقى لغة لفهم العالم وإنتاج المعرفة، أم ستنحصر في موضوع يتعلمه الطالب خلال ساعات محدودة. وإذا كانت ترتيبات التعليم تبين مقدار الحقوق التي ستبقى في الممارسة، فإن موقعها داخل التسوية الأوسع يطرح سؤالًا آخر: هل يُراد للاعتراف الثقافي أن يفتح باب المشاركة السياسية، أم أن يصبح الحد الذي تتوقف عنده المطالب الكردية؟
13 أيلول/سبتمبر 2026



