مقالات

بعد دمج «قسد».. ماذا عن مستقبل بيشمركة روج آفاي كوردستان؟

شكري بكر

من الممكن أن يكون لقوات بيشمركة روج آفاي كوردستان دور مهم في سوريا المستقبل، إلا أن التطورات المتعلقة بدمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مؤسسات الدولة السورية غيّرت جانباً مهماً من المعادلة، وفرضت أسئلة جديدة حول مستقبل هذه القوات وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه.

في ظل التوجه نحو إنهاء وجود التشكيلات العسكرية المستقلة ودمجها في مؤسسات الدولة، يبدو من الصعب تصور دخول بيشمركة روج إلى سوريا بوصفها قوة عسكرية مستقلة خارج إطار الجيش السوري. ومن هنا يمكن الحديث عن عدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبلها.

الاندماج في الجيش السوري

بعد التوجه نحو حل «قسد» بصفتها قوة عسكرية مستقلة ودمج مقاتليها في الجيش السوري، سيكون من الصعب، سياسياً وقانونياً، أن تقبل دمشق بوجود قوة كردية عسكرية أخرى تعمل بصورة مستقلة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة استبعاد بيشمركة روج من المشهد العسكري السوري، إذ يمكن أن تتم عودتها في إطار وحدات كردية مرتبطة بوزارة الدفاع السورية وتعمل ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية.

مثل هذا السيناريو قد يحمل أهمية كبيرة بالنسبة للكورد، لأنه يضمن لهم وجوداً عسكرياً رسمياً داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من بقاء قواتهم خارجها أو على هامشها.

تشكيل كردي ضمن المؤسسة العسكرية

السيناريو الآخر، وربما الأكثر قابلية للنقاش، يتمثل في عودة بيشمركة روج بوصفها قوة كردية منظمة ضمن الجيش السوري، مع احتفاظها بدرجة من الخصوصية في بنيتها وتنظيمها.

وكان هذا الملف قد طُرح في السابق ضمن النقاشات المتعلقة بتوحيد القوى العسكرية الكردية، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD» رفض آنذاك وجود قوتين عسكريتين كرديتين منفصلتين، واقترح دمج قوات بيشمركة روج ضمن ألوية «قسد»، وهو ما رفضته قيادة «لشكري روج».

أما اليوم، وبعد التغيرات التي طرأت على وضع «قسد»، فإن السؤال يعود بصيغة مختلفة:

ما مصير بيشمركة روج بعد حل «قسد» أو دمجها؟ وهل ستسلك المسار نفسه، أم سيكون لها وضع خاص ضمن وزارة الدفاع السورية؟

قد يكون الخيار الثاني أكثر فائدة للكورد من الناحية السياسية، إذا جرى التوافق عليه مع دمشق، لأنه يحقق الجمع بين الانتماء إلى الدولة السورية والحفاظ على قدر من الخصوصية الكردية داخل المؤسسة العسكرية.

دور سياسي وأمني يتجاوز البعد العسكري

هناك سيناريو ثالث قد يكون أكثر فاعلية على المدى البعيد، ويتمثل في أن تلعب بيشمركة روج دوراً سياسياً وأمنياً إلى جانب دورها العسكري، ولا سيما أنها ترتبط سياسياً بالمجلس الوطني الكوردي، ولها علاقات وثيقة مع إقليم كوردستان العراق.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول إلى أحد عناصر التوازن داخل الساحة الكردية السورية، لا باعتبارها مجرد قوة عسكرية، بل بوصفها جزءاً من معادلة سياسية أوسع.

ومن هنا تبرز ضرورة أن يكون للمجلس الوطني الكوردي وبيشمركة روج حضور في أي مفاوضات كردية مستقبلية مع دمشق، سواء تعلقت بالملفات السياسية والإدارية والمدنية، أم بالقضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية.

عندئذ قد تصبح أهمية بيشمركة روج أكبر بكثير من حجمها العددي، لأن وزنها سيكون مرتبطاً بموقعها السياسي ودورها في التوازنات الكردية والسورية.

هل يدخل نيجيرفان بارزاني بيشمركة روج في المعادلة السورية؟

هنا يبرز سؤال مهم:

هل سيتمكن رئيس إقليم كوردستان، السيد نيجيرفان بارزاني، من إدخال بيشمركة روج إلى المعادلة السورية الجديدة؟

من غير المرجح أن يجري ذلك من خلال مطالبة دمشق بالسماح بوجود جيش بيشمركة مستقل، بل قد يكون المدخل الأكثر واقعية هو التأكيد على أن مقاتلي بيشمركة روج هم مواطنون سوريون كورد، ومن حقهم العودة إلى وطنهم والمشاركة في مؤسساته العسكرية والأمنية، مع ضمان عدم إقصائهم بسبب انتمائهم السياسي.

ويتوافق هذا التوجه بدرجة أكبر مع السياسة التي يتبناها نيجيرفان بارزاني تجاه سوريا، والقائمة على الحفاظ على وحدة البلاد مع ضمان الحقوق القومية والسياسية للكورد ضمن الدستور السوري، بدلاً من محاولة استنساخ تجربة إقليم كوردستان العراق داخل سوريا.

مصلحة دمشق والموقف التركي

قد يكون لدمشق أيضاً مصلحة في إدماج بيشمركة روج ضمن الجيش السوري، إذ إن وجود قوة كردية سورية لا ترتبط تنظيمياً بحزب العمال الكردستاني «PKK» قد يشكل عاملاً مهماً في الحسابات الإقليمية، ولا سيما بالنسبة إلى تركيا.

وإذا كان المبدأ المطروح هو دمج التشكيلات العسكرية في مؤسسات الدولة السورية، فإن وجود تشكيل كردي سوري رسمي ضمن الجيش قد يكون أكثر قابلية للقبول إقليمياً من استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة خارج مؤسسات الدولة.

سيناريوهات متعددة لمستقبل بيشمركة روج

وعليه، يمكن تلخيص الاحتمالات المطروحة أمام بيشمركة روج في عدد من المسارات: العودة والاندماج الكامل في الجيش السوري، أو تشكيل وحدات كردية منظمة ضمن المؤسسة العسكرية، أو أداء دور أمني محلي في المناطق الكردية، أو تعزيز دورها السياسي من خلال المجلس الوطني الكوردي، أو أن تصبح جزءاً من اتفاق كردي شامل مع دمشق.

أما خيار العودة بوصفها جيشاً كردياً مستقلاً خارج مؤسسات الدولة، فيبدو أقل واقعية في ظل التحولات الجارية.

نحو تفاهم كردي ـ كردي جديد

قد يكون السيناريو الأكثر أهمية هو أن تؤدي التطورات الجديدة إلى تفاهم كردي داخلي أوسع، تترافق معه ضمانات دستورية وسياسية من دمشق تكفل للكورد حضوراً حقيقياً داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

وفي هذا الإطار، ليس مستبعداً أن يشهد المسار العسكري الكردي تحولات مختلفة تماماً عما كان عليه في السابق. فبيشمركة روج و«قسد»، اللتان عاشتا سنوات من الخلاف والتنافس، قد تجد قوات منهما نفسها مستقبلاً ضمن مؤسسة عسكرية سورية واحدة، ولكن في أطر وتنظيمات متفق عليها.

وإذا تحقق ذلك، فقد يتحول التنافس العسكري السابق إلى عنصر مساعد في بناء توازن كردي جديد، وربما يصبح أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة عقدة وحدة الصف والموقف الكوردي في سوريا.

وهذا الاحتمال، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، ليس مستبعداً على الإطلاق.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

بيان اعتزال

إدريس سالم أنا إدريس سالم، أكتب اليوم للمرّة الأولى دون أن أبحث عن جملة تليق بما أشعر، ودون أن أحاول أن أُنقذ…

متى سنعود إلى بيتنا؟

المهندس باسل قس نصر الله جاء أبناء جيراني، الموزعون بين ألمانيا والبرازيل وكندا والسويد وهولندا وغيرها من بلاد الغربة، لزيارة أهاليهم في…