حسن قاسم
هناك أسئلة لم يعد من الممكن الهروب منها أو تأجيلها. فبعد التحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الكردية خلال العامين الأخيرين، وبعد دعوة عبدالله أوجلان إلى إنهاء الكفاح المسلح وحلّ حزب العمال الكردستاني، ثم دخول العملية التركية ـ الكردية مرحلة تشريعية جديدة، يحق للكرد أن يسألوا: إلى أين تتجه هذه العملية؟ ومن المستفيد منها ؟
هل نحن أمام تسوية تاريخية تنهي حرباً استمرت عقوداً وتفتح الباب أمام اعتراف حقيقي بالحقوق القومية والديمقراطية للكرد في تركيا؟ أم أننا أمام إعادة صياغة للمسألة الكردية بحيث تنتقل من قضية شعب وحقوق وهوية إلى ملف أمني وسياسي تديره أنقرة؟
الأخطر هو السؤال : هل نجحت تركيا في نزع السلاح من الكرد في باكور وروج آفاي كوردستان، وإعادة الملف الكردي إلى الإطار الذي تريده الدولة التركية؟
لا يمكن تجاهل أن التحولات السورية تزامنت مع المسار التركي؛ فقد رحبت أنقرة بحلّ قوات سوريا الديمقراطية واعتبرته خطوة باتجاه تعزيز وحدة سوريا، بينما أصبح مستقبل القوات والهياكل الكردية في شمال وشرق سوريا موضع إعادة ترتيب عميقة .
لكن اختزال كل ذلك بالقول إن «أوجلان نفّذ أجندة تركية» يحتاج إلى أدلة أكثر من مجرد تزامن الأحداث. فالرجل يتحرك داخل معادلة معقدة، وهناك أيضاً مطالب كردية بإصلاحات دستورية وحقوق سياسية وثقافية، وما زال نجاح العملية التركية نفسها غير مضمون. وقد أشارت تحليلات إلى وجود خلافات عميقة حول حجم الإصلاحات التي يمكن أن تقدمها أنقرة.
أما السؤال الأكثر إثارة فهو: هل يستطيع أوجلان أن يكرر التجربة نفسها في روجهلات؟
هنا أعتقد أن الإجابة ليست سهلة. روجهلات ليست باكور، وإيران ليست تركيا، والحركة الكردية الإيرانية لها تاريخها وبنيتها وتوازناتها الخاصة. كما أن الجغرافيا السياسية لإقليم كردستان والعلاقة المعقدة بين طهران وأربيل وبغداد تجعل أي محاولة لنقل التجربة بحذافيرها أمراً بالغ الصعوبة.
لذلك فإن القضية الحقيقية ليست شخص أوجلان وحده، بل مستقبل القرار الكردي نفسه.
إذا كان الكرد قد تعلموا شيئاً من قرن كامل من التجارب، فهو أن تحويل القضية القومية إلى مشروع تابع لأي دولة إقليمية ينتهي غالباً إلى خسارة جديدة. وفي المقابل، فإن رفض التسويات السياسية لمجرد أنها تسويات، والتمسك بالسلاح كخيار وحيد، أثبت هو الآخر محدوديته.
المطلوب اليوم ليس تقديس أوجلان ولا شيطنته، بل نقد تجربته ومشروعه وقراءة نتائجها بموضوعية.
فهل أصبح أوجلان رجل السلام الكردي الذي نجح في إنهاء حرب طويلة وفتح باباً جديداً أمام الحقوق الكردية؟ أم أصبح، من حيث النتيجة، أداة لإعادة ترتيب القضية الكردية بما يتناسب مع المصالح التركية؟
وهل تستطيع تركيا أن تحول نهاية الحرب إلى بداية اعتراف حقيقي بالكرد؟
وهل يمكن أن يمتد هذا المسار إلى روجهلات؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى أوجلان وحده، بل هي أسئلة برسم الشعب الكردي الحر، وقواه الديمقراطية، ومثقفيه ومفكريه، لأن مستقبل قضية عمرها قرن لا يجوز أن يُترك لشخص واحد، مهما كانت مكانته التاريخية.



