حسن قاسم
تتداول الأوساط السياسية أخبار انتهاء مهمة توم براك كمبعوث أمريكي خاص إلى سوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: متى انتهت مهمته؟ بل: ماذا ترك وراءه؟ ولصالح من كانت النتائج التي أفضت إليها مهمته؟
دخل براك الملف السوري في مرحلة شديدة الحساسية، وكان من أبرز مواقفه اعتبار أن الدور العسكري السابق لقوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش قد انتهى إلى حد كبير، والدفع باتجاه دمجها في مؤسسات الدولة السورية. وفي المقابل، كانت تركيا تضغط منذ سنوات لإنهاء الإدارة الذاتية وإدماج قوات قسد ضمن الدولة السورية.
وهنا يحق للكورد أن يتساءلوا: هل كانت السياسة الأمريكية الجديدة مجرد تغيير في الأولويات، أم أن أنقرة نجحت في التأثير على مسارها؟
وبتقديري، فإن تراكم المواقف والنتائج التي خرج بها الملف السوري خلال فترة براك يبرر طرح هذا السؤال بقوة، ولا سيما أن كثيراً من تلك النتائج جاءت منسجمة مع المصالح التركية ومع صعود قوى الإسلام السياسي في سوريا. لكن القول بوجود «تواطؤ» مباشر يحتاج إلى أدلة موثقة، أما سياسياً فإن تطابق النتائج مع أجندة طرف ما يستحق بالتأكيد المساءلة والتحليل.
المؤلم للكورد أن ذلك جاء بعد سنوات من التحالف مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في الحرب على داعش، حيث قدموا آلاف الضحايا والجرحى والأسرى. ومع انتهاء الحرب على التنظيم، يبدو أن القيمة الاستراتيجية لهذا التحالف تراجعت في الحسابات الدولية، بينما وجد الكورد أنفسهم أمام استحقاق سياسي جديد لم تُحسم فيه بعد حقوقهم القومية والدستورية.
وهنا تكمن المأساة: هل كان الكورد شريكاً استراتيجياً أم مجرد شريك عسكري مؤقت؟
لكن تحميل واشنطن أو براك أو تركيا وحدهم مسؤولية ما آلت إليه الأمور سيكون تهرباً من الحقيقة. فالحركة السياسية الكوردية نفسها تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية؛ لأنها لم تستطع تحويل التضحيات العسكرية والدعم الدولي إلى مشروع سياسي موحد، وبقيت أسيرة الانقسام الحزبي وتعدد المرجعيات.
لذلك فإن انتهاء مهمة براك يجب أن يكون مناسبة لمراجعة كوردية شاملة، لا مجرد مناسبة للهجوم عليه.
المطلوب اليوم هو:
توحيد القرار السياسي الكوردي وإنهاء حالة الانقسام والتنافس الحزبي.
صياغة وثيقة حقوق كوردية واضحة تتضمن الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية واللغوية، واللامركزية السياسية والإدارية.
الانتقال من الاعتماد على القوة العسكرية إلى القوة السياسية والدبلوماسية والقانونية.
بناء تحالف سوري واسع مع القوى الديمقراطية والمدنية، بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والقومية.
عدم الارتهان لأي قوة إقليمية أو دولية، بل إقامة علاقات متوازنة مع الجميع على أساس المصالح.
إنشاء مؤسسات إعلامية وحقوقية ودبلوماسية قادرة على إيصال القضية الكوردية إلى مراكز القرار الدولي.
والأهم: إجراء نقد ذاتي شجاع لتجربة السنوات الماضية، ومعرفة لماذا لم يتحول الدعم الدولي والتضحيات الكبيرة إلى مكاسب سياسية مستدامة.
لقد انتهت مهمة توم براك، لكن المرحلة التي يمثلها لم تنتهِ بعد. وربما يكون الدرس الأكبر أن الدول لا تتحرك بالعواطف، وإنما بالمصالح، وأن الشعوب التي لا تمتلك مشروعاً سياسياً موحداً تصبح عرضة لأن تكون ورقة في صفقات الآخرين.
لذلك لا ينبغي للكورد أن ينتظروا «براك جديداً» لإنقاذ قضيتهم. المطلوب هو بناء قوة سياسية تجعل الآخرين بحاجة إلى الكورد كشريك، لا إلى استخدامهم كورقة ثم التخلي عنهم.
لقد انتهى عهد براك، وحان الوقت لكي ينتهي أيضاً عهد الاتكال الكوردي على الآخرين. فالمعركة القادمة ليست معركة سلاح، وإنما معركة مشروع سياسي، ووحدة قرار، ودبلوماسية، ودستور، وحقوق لا يستطيع أحد الالتفاف عليها.