شادي حاجي
يقال إن السياسة «فن الممكن»، لكن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الطموح، كما أن التمسك بالطموح لا يعني تجاهل موازين القوى. والتحدي الحقيقي أمام الشعب الكردي في سوريا هو: كيف يحوّلون طموحهم السياسي إلى حقوق مستدامة، ويجعلون الواقعية أداة لتحقيقه، لا ذريعة للتراجع عنه؟
أول شروط النجاح هو وضوح الهدف. فالمطلوب ليس بالضرورة القفز مباشرة إلى صيغة سياسية نهائية، بل تحديد ما ينبغي تثبيته بوصفه حقوقاً أساسية: الاعتراف بالوجود والهوية، والمواطنة المتساوية، والحقوق اللغوية والثقافية والسياسية، والمشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، إلى جانب نظام لامركزي يضمن إدارة الشأن المحلي، وتوزيع الصلاحيات والموارد بصورة عادلة. أما الشكل الدستوري النهائي، فيبقى موضوعاً للتفاوض ضمن مستقبل سوريا.
لكن الحقوق وحدها لا تكفي؛ فالسياسة تقوم أيضاً على موازين القوة. وما تملكه القوى السياسية الكردية في سوريا من أوراق ــ الجغرافيا، والمؤسسات، والحضور الشعبي، والعلاقات الدولية ــ يمكن أن يتحول إلى قوة تفاوضية حقيقية إذا اقترن بالوحدة السياسية والقدرة على بناء تحالفات سورية واسعة. وفي المقابل، فإن الانقسام الداخلي، والارتهان المفرط للخارج، والخطاب المنغلق، قد يحوّل بعض عناصر القوة إلى نقاط ضعف.
ومن هنا تأتي أهمية البعد القانوني. فالإنجاز السياسي الذي لا يتحول إلى نص دستوري، ومؤسسات، وضمانات قانونية، يبقى عرضة لتغير موازين القوى. لذلك، ينبغي أن يكون الهدف هو نقل القضية الكردية من مساحة الوعود والتفاهمات المؤقتة إلى مساحة الحقوق الدستورية المستقرة.
والواقعية لا تعني المطالبة بالقليل، بل معرفة ما يمكن تحقيقه الآن، وما يمكن تأجيله، وما لا يجوز التنازل عنه. فالتنازل عن وسيلة أو عن توقيت ليس بالضرورة تنازلاً عن الهدف.
وفي المحصلة، فإن المصلحة القومية الكردية لا تنفصل عن مستقبل سوريا. وكلما استطاع الكرد تقديم حقوقهم باعتبارها جزءاً من مشروع سوريا ديمقراطية، تعددية، لامركزية، تحترم مواطنيها ومكوّناتها، ازدادت فرص تحويل مطالبهم من قضية خلافية إلى جزء من الحل الوطني.
لذلك، ليس المطلوب الاختيار بين الطموح والواقعية، بل بناء استراتيجية تجعل الطموح هدفاً، والواقعية وسيلة، والسياسة أداة تفاوض، والقانون ضمانة لما يتحقق.
ففن الممكن الحقيقي ليس أن تقبل بما هو متاح، بل أن تعرف كيف تجعل الممكن اليوم خطوة نحو ما يبدو مستحيلاً غداً.
وإلى مستقبلٍ أفضل.