عنايت ديكو
في رحاب الساعات الأخيرة من يوم 04.09.2026، حضرت جماهير غفيرة حفلة إزاحة الستار الأبيض عن ثلاثة أعمال نحتية ضخمة ومهيبة في الحديقة الرئيسية العامة بمدينة الحب «قامشلو»، للفنان والنحات الكوردي الكبير منير شيخي – MÛNÎR ŞÊXÎ.
أسد عين دارا… ومحاربان ميديان يحرسان الآلهة.
لم يكن ما قام به الفنان منير شيخي مجرد نحتٍ في الحجر، ولا مجرد إضافة جمالية إلى فضاء المدينة.
أراد الفنان أن يجعل من الحجر ذاكرةً تتكلم، ومن النحت جسراً يصل حاضرنا بماضٍ عريق، ويمشي بنا نحو المستقبل من خلال العودة إلى ركن التاريخ؛ لا عبر الاجتماعات والشعارات والنظريات والرصاص والسبطانات والأقلام التي أرهقها الصدأ.
لقد اختزل «منير شيخي» تاريخاً طويلاً من المعارك التي دارت رحاها على هذه الأرض المباركة، فلم يذهب إلى حمل البندقية، ولم يرفع راية الحروب؛ بل راح يحمل الإزميل والمطرقة، ليطلق العنان للحجر، وليتحفنا بزئير أسد عين دارا، ذلك الكائن الذي خرج من أعماق التاريخ.
أسد عين دارا يقف اليوم في قلب قامشلو، وكأنه يستعيد زئيره القديم ليقول لكل من حاول عبور هذه الأرض بالقوة: هنا چیايي كورمنج… هنا ذاكرة شعب… لن تمرّوا.
نعم… لكن, بعد أيام قليلة فقط من إزاحة الستار عن هذه الأعمال، بدأنا نشاهد أطفالاً ومارة يقتربون من هذه المنحوتات بطريقة تعرّضها للخطر، بل وصل الأمر بهم إلى امتطاء أحد التماثيل والتعامل معه وكأنه لعبة أو قطعة من أثاث الحديقة.
وهنا لا نتحدث عن الأطفال وحدهم، ولا نحمّلهم مسؤولية ما لا يعرفون قيمته.
المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق من يدير المكان ويتحكم به.
فالتمثال الموجود في فضاء عام ليس ملكاً عابراً لأحد؛ إنه ملك للمدينة، وذاكرة للمجتمع، وإرث للأجيال القادمة. وحمايته ليست ترفاً ولا إجراءً ثانوياً، بل واجب ثقافي وأخلاقي وحضاري.
هنا من حقنا، ومن حق الشارع الكوردي، أن يطرح مخاوفه: مَنْ الذي سيحمي هذا الفن والتاريخ … وكيف سنحمي هذا الفن في غياب جنبات الوعي والمسؤولية الجماعية تجاه هذه الثقافة؟ ومن سيحرس الذاكرة عندما يتحول المكان العام إلى فضاء بلا مسؤولية؟
من هنا، لا بد أن نلفت عناية القائمين على الشؤون الإدارية والأمنية والثقافية في مدينة قامشلو إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الجدية والعاجلة لحماية هذه الأعمال النحتية، وتأمين محيطها، ووضع الحواجز أو السياجات المناسبة لها، وتأمين قواعد وتثبيتات هندسية آمنة تحميها من الانهيار أو العبث أو التخريب، سواء كان مقصوداً أم ناتجاً عن الإهمال.
الفن لا يحتاج إلى التصفيق يوم افتتاحه فقط … بل يحتاج إلى الحماية بعد انتهاء التصفيق.
وإذا كانت قامشلو تريد أن تقدم نفسها مدينةً للثقافة والعلم والمعرفة، فعليها أن تثبت ذلك في سلوكها تجاه الفن وحمايته، لا من خلال الشعارات وحدها.
إن ترك هذه الأعمال الضخمة عرضةً للعبث أو الكسر أو التشويه أو الإهمال، هو في النهاية ليس اعتداء على الحجر فحسب؛ بل اعتداء على ذاكرة المدينة وثقافتها البصرية وكرامة الفن فيها.
ومن هنا، نتوجه إلى القائمين على إدارة وشؤون مدينة قامشلو، أن يتحملوا مسؤوليتهم المباشرة في توفير الحماية والرعاية اللازمة لهذه المنحوتات، لأن مسؤولية المحافظة عليها تبدأ من لحظة وضعها في الفضاء العام، ولا تنتهي بانتهاء مراسم الاحتفال.
لقد بذل الفنان «منير شيخي» جهداً كبيراً واستثنائياً، وحوّل أطناناً من الحجر إلى لغة بصرية، وحوّل الصخر الصامت إلى حكاية تنظر إلينا.
فلا تجعلوا هذا الحجر الجميل ضحيةً للإهمال والصراعات.
شكراً من القلب للنحات الكبير منير شيخي، الذي لم ينحت لنا تماثيل فحسب، بل أوجد في قلب قامشلو موقداً جماعياً للذاكرة الجمعية والجمال النقي، وأعاد إلى الحجر حقه في أن يتكلم.