ما الذي تخشاه تركيا من سقوط طهران؟

جان عمر

من السهل أن نقرأ التقارب التركي مع الكورد باعتباره محاولة لإنهاء صراع طويل. الأصعب أن نسأل: لماذا تتحرك أنقرة الآن، وإلى أين تريد أن تصل؟ فبين إنهاء القتال وحل القضية مسافة كبيرة، وبين منح بعض الحقوق وقبول شراكة سياسية مسافة أكبر.

في تقديري، لا تكتمل الإجابة من دون النظر إلى إيران. هناك، إلى الشرق من تركيا، يوجد نظام تنافسه أنقرة في ساحات كثيرة، لكنها تستفيد من بقائه في ملفات لا تقل أهمية. والملف الكوردي في مقدمتها.

لهذا، لا أرى أن مستقبل العلاقة التركية مع الكورد يُرسم في أنقرة وحدها، أو في المفاوضات مع دمشق. جزء من هذه العلاقة سيتحدد بما سيحدث في طهران، وبمن ستكون له اليد الأقوى في المنطقة إذا اختل التوازن الإيراني.

إيران التي تنافس تركيا… وتحمل عنها بعض العبء

تركيا تريد تقليص النفوذ الإيراني. هذا مفهوم. لكن من هنا إلى القول إنها تريد سقوط النظام الإيراني قفزة تتجاهل ما يمكن أن تخسره هي نفسها.

أنقرة تستطيع أن تستفيد من تراجع طهران في سوريا والعراق. أما فقدان إيران قدرتها على ضبط حدودها ومناطقها، فيفتح حساباً مختلفاً: نزوح، واضطراب، وتدخلات خارجية، واحتمال ظهور واقع كوردي جديد على الحدود الشرقية لتركيا. وسقوط النظام لا يعني بالضرورة انهيار الدولة، لكن أنقرة لا تستطيع أن تبني أمنها على افتراض أن الانتقال سيكون هادئاً ومضمون النتائج.

هنا يحمل النظام الإيراني جزءاً من العبء الذي تخشاه تركيا. ما دامت طهران قادرة على احتواء الحركات الكوردية داخل حدودها، تبقى أنقرة أقل انشغالاً بما قد ينشأ شرقاً. ولا يحتاج هذا التقاطع إلى تحالف معلن؛ يكفي أن يخاف الطرفان من النتيجة نفسها، حتى لو اختلفا في كل ما حولها.

بعبارة أوضح: قد تناسب تركيا إيران أضعف خارج حدودها، لكنها ما زالت قادرة على الإمساك بالداخل. أما إيران التي تُفتح فيها المسألة الكوردية على احتمالات جديدة، فقد تضع أنقرة أمام مشكلة أكبر من المنافسة التي اعتادت إدارتها مع طهران.

من هذه الزاوية أفهم التحفظ التركي على إسقاط النظام الإيراني. إنه حساب للمخاطر قبل أن يكون موقفاً من النظام نفسه.

ما الذي تعرضه أنقرة على الكورد فعلاً؟

لا يمكن فصل نظرة تركيا إلى الكورد في سوريا عن نظرتها إلى الكورد داخل حدودها. تختلف القوانين والظروف، لكن النتائج تعبر الحدود: ما يكسبه الكورد في ساحة يؤثر في توقعاتهم وقوة تفاوضهم في ساحة أخرى.

لهذا تميل أنقرة إلى التعامل مع المسارين ضمن حساب أمني واحد. تريد إنهاء القوة المسلحة المستقلة، وإعادة العلاقة مع الكورد إلى مؤسسات الدولة المركزية. أما التسوية السياسية التي تأتي بعد ذلك، فالسؤال عن سقفها ما زال قائماً.

السقف الذي أقرأه في هذا التوجه يسمح بهامش من الاعتراف اللغوي والثقافي، ويفتح أبواباً للمشاركة الإدارية والسياسية، لكنه يتحفظ على تحويل تلك المشاركة إلى شراكة مضمونة في السلطة. وصيغة «الكوردية لغة وطنية وليست رسمية»، كما طُرحت في السياق السوري، تعبّر عن هذا الفارق؛ ولا يعني ذلك أنها أصبحت صيغة متفقاً عليها في تركيا أيضاً.

المسألة، في النهاية، ليست عدد المحافظين الكورد أو رؤساء البلديات، ولا تنتهي عند تعيين شخصية كوردية في موقع رفيع. المهم هو مصدر الصلاحية وضمان استمرارها: هل يتولى الشخص منصبه برضا السلطة، أم يمثل حقوقاً يحميها نظام سياسي لا يستطيع الحاكم سحبها متى اختلف معه؟

قد يدخل الكوردي إلى مؤسسات الدولة، فيما تبقى قضيته خارج التسوية. وهنا ينبغي التوقف. فالتقدم الحقيقي يُقاس بما يتغير في حياة الناس: لغتهم، وتعليم أبنائهم، وقدرتهم على إدارة شؤونهم والمشاركة في القرار، لا بصورة مسؤول جديد يقف إلى جانب الرئيس.

لماذا لا يشكّل زوال خصوم إسرائيل مكسباً صافياً لتركيا؟

تظهر المفارقة التركية أيضاً في التعامل مع القوى المرتبطة بإيران. فحماس وحزب الله والحوثيون والفصائل العراقية ليست كتلة واحدة، ولا تتطابق علاقاتها بطهران أو مصالحها. لكنها، بدرجات مختلفة، تفرض على إسرائيل الانشغال بأكثر من جبهة.

يمكن لأنقرة أن تختلف مع هذه القوى، وأن تتضرر من بعضها، ثم ترى في اختفائها الكامل نتيجة غير مريحة. فإسرائيل التي تتخلص من أبرز مصادر الضغط عليها قد تصبح أقدر على فرض شروطها في سوريا وفي المجال الإقليمي الذي تريد تركيا توسيع حضورها فيه.

هذه هي النقطة التي تستحق النقاش: هل تريد أنقرة انتصاراً إسرائيلياً يزيل النفوذ الإيراني، ثم يترك إسرائيل أكثر حرية في مواجهة الطموح التركي؟

أرجّح أنها لا تريد هذه النتيجة. ومن هنا يمكن فهم استفادتها المحتملة من بقاء قوى تقيّد الحركة الإسرائيلية، من دون افتراض أنها حليفة لجميع تلك القوى أو راضية عن كل ما تفعله.

أما الرواية المتعلقة بمساهمة تركيا في نقل عناصر من الحرس الثوري والفصائل العراقية إلى لبنان، فلا أتعامل معها كخبر محسوم؛ فهذه واقعة محددة تحتاج إلى ما يثبتها. والقراءة الأوسع لا تتوقف عليها: تقاطع المصالح شيء، وإثبات قرار رسمي بنقل مقاتلين شيء آخر.

إذا تغيّرت طهران، فلن تبقى حسابات أردوغان على حالها

حين يُطرح إسقاط النظام الإيراني هدفاً في خطاب نتنياهو، تكون آثاره المحتملة أوسع من العلاقة الإيرانية–الإسرائيلية. فإخراج قوة بهذا الحجم من التوازن يفتح فوراً سؤالاً آخر: من سيملأ المساحة التي تتركها؟

قد ترى تركيا فرصة للتقدم. لكن من غير المضمون أن تقبل إسرائيل بزوال منافس إيراني كي يحل مكانه منافس تركي أقرب إلى حدودها في سوريا. عند هذه النقطة، يصبح التنافس بين أنقرة وتل أبيب أكثر مباشرة.

لذلك، فإن «خلط الأوراق في وجه أردوغان» احتمال يمكن فهمه من نتائج إضعاف إيران أو سقوط نظامها، وليس بالضرورة خطة نعرف تفاصيلها أو سبباً وحيداً يفسر السياسة الإسرائيلية.

الضغط على تركيا قد يأتي من جهتين معاً: منافسة أشد على النفوذ في سوريا، وحركة سياسية جديدة في المجال الكوردي شرقاً. وإذا اجتمعت الجهتان، فقد تكتشف أنقرة أن إبقاء علاقتها بالكورد معلّقة لم يعد يخدم أمنها كما كانت تتصور.

ودمشق؟ ليست تفصيلاً جانبياً

في هذا الحساب، تستحق خطوات تحجيم قادة الفصائل المرتبطين بتركيا، ومنهم أبو عمشة، قراءة تتجاوز أسماء المناصب. فإذا كانت دمشق تنتزع من هؤلاء القدرة على التصرف باستقلال عنها، فهي تعيد ترتيب من يملك القوة داخل الدولة، ومن يستطيع التأثير فيها من الخارج.

قد يزعج ذلك أنقرة إذا شعرت بأن أدوات نفوذها تُسحب من يدها. لكنه قد يكون مقبولاً لديها أيضاً، إذا انتقلت من التأثير عبر الفصائل إلى التأثير عبر مؤسسات الدولة السورية نفسها. إبعاد قائد عن رجاله لا يكفي وحده للجزم بأن دمشق انقلبت على تركيا.

الفاصل بين الاحتمالين هو ما يحدث بعد التعيينات: لمن يصبح القرار العسكري؟ من يتحكم بالأرض والموارد؟ وهل تنكمش قدرة أنقرة على التأثير، أم تتخذ شكلاً جديداً؟

وبالنسبة إلى الكورد، هناك سؤال لا ينبغي أن يضيع وسط متابعة هذه التحركات: هل يؤدي تغيير القادة إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإعادة حقوق المتضررين، أم يقتصر على نقل الأشخاص من موقع إلى آخر؟

متى يصبح توسيع الحقوق مصلحة تركية؟

هنا نصل إلى جوهر القراءة. ما دام التوازن الإقليمي يمنح تركيا قدرة على احتواء المطالب الكوردية بكلفة تراها محتملة، فقد لا تجد سبباً كافياً لتجاوز سقفها الحالي. لكن إذا تغير الوضع الإيراني، وبرزت قوى كوردية أكثر تأثيراً أو اتسعت فرص حصولها على دعم خارجي، فإن كلفة السياسة نفسها قد ترتفع.

عندها يمكن أن يصبح كسب ثقة الشارع الكوردي حاجة تركية أكثر إلحاحاً. وقد تجد أنقرة أن ضمانات أوسع للحقوق تحصّن داخلها، وتقلل قدرة خصومها على استثمار النزاع، وتمنحها علاقة أكثر استقراراً مع جوارها.

هذا لا يعني أن سقوط النظام الإيراني سيمنح الكورد حقوقهم تلقائياً. فالانهيار العنيف قد يدفع تركيا إلى مزيد من التشدد. كما أن التعديل السياسي قد يبدأ قبل السقوط، إذا اقتنعت أنقرة بأن التوازن القائم لن يستمر. الحقوق الأوسع احتمال تفتحه المصالح المتغيرة، وليست نتيجة مضمونة لأي حرب.

لهذا أضع إيران في قلب هذه الملفات. ليس لأنها تصنع كل حدث، ولا لأن القضية الكوردية تابعة لها، بل لأن بقاء نظامها أو تغيره يؤثر في مقدار ما تستطيع تركيا رفضه، وما قد تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض عليه.

ومع ذلك، لا ينبغي للكورد أن يبنوا مستقبلهم على انتظار سقوط طهران. فالتحولات الكبرى تفتح فرصاً، لكنها تستهلك أيضاً من لا يملك تصوراً لما يريده منها.

المطلوب أن يتحول أي تبدل في موازين القوة إلى حقوق ثابتة، لا إلى وعود تنتهي بانتهاء الحاجة إلى أصحابها. والسؤال الذي يستحق أن يبقى أمام كل تسوية هو: ماذا سيبقى للكورد منها عندما تهدأ المنطقة، ويتصالح المتخاصمون، ولا يعود أحد بحاجة إلى كسب شارعهم؟

7 أيلول / سبتمبر 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يقال إن السياسة «فن الممكن»، لكن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الطموح، كما أن التمسك بالطموح لا يعني تجاهل موازين القوى. والتحدي الحقيقي أمام الشعب الكردي في سوريا هو: كيف يحوّلون طموحهم السياسي إلى حقوق مستدامة، ويجعلون الواقعية أداة لتحقيقه، لا ذريعة للتراجع عنه؟ أول شروط النجاح هو وضوح الهدف. فالمطلوب ليس بالضرورة القفز مباشرة إلى صيغة…

حسن قاسم تتداول الأوساط السياسية أخبار انتهاء مهمة توم براك كمبعوث أمريكي خاص إلى سوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: متى انتهت مهمته؟ بل: ماذا ترك وراءه؟ ولصالح من كانت النتائج التي أفضت إليها مهمته؟ دخل براك الملف السوري في مرحلة شديدة الحساسية، وكان من أبرز مواقفه اعتبار أن الدور العسكري السابق لقوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش قد…

عنايت ديكو في رحاب الساعات الأخيرة من يوم 04.09.2026، حضرت جماهير غفيرة حفلة إزاحة الستار الأبيض عن ثلاثة أعمال نحتية ضخمة ومهيبة في الحديقة الرئيسية العامة بمدينة الحب «قامشلو»، للفنان والنحات الكوردي الكبير منير شيخي – MÛNÎR ŞÊXÎ. أسد عين دارا… ومحاربان ميديان يحرسان الآلهة. لم يكن ما قام به الفنان منير شيخي مجرد نحتٍ في الحجر، ولا مجرد إضافة…

د. عدنان بوزان في واحدة من تلك السنوات الثقيلة التي كان فيها البعث لا يحكم سوريا فحسب، بل يحاول أن يتسلل إلى البيوت والمدارس والمجالس وحتى إلى الهمس خلف الأبواب، كانت كوباني تبدو كمدينة موضوعة عمداً على هامش الخريطة. مدينة كوردية في أقصى الشمال، بعيدة عن دمشق ومراكز القرار، لكنها لم تكن بعيدة عن عين الأمن. كان النظام يعرف…