كمال بكر
أكتب هذه القراءة انطلاقاً من متابعة ما يجري في عفرين، وما رافق ذلك من تحركات سياسية ومطالب تتعلق بحقوق أهلها وملكياتهم وأسمائها التاريخية وإدارة منطقتهم. لكنني لا أريد أن أتعامل مع هذه التطورات باعتبارها ملفاً عفرينياً منفصلاً عن بقية المشهد الكردي السوري. ففي تقديري، ما يجري يستحق أن يُقرأ ضمن سياق أوسع، يتعلق بمسألة التمثيل الكردي، وطبيعة العلاقة بين المناطق الكردية الثلاث، ومستقبل القضية الكردية في سوريا.
فالكتاب الذي تقدم به وفد المجلس الوطني الكردي ـ محلية عفرين، بما تضمنه من مطالب تتعلق بإعادة الأسماء التاريخية، ومعالجة ملف الملكيات، وإزالة آثار سياسات التعريب، وإشراك أبناء المنطقة في إدارة شؤونها، يحمل في جوهره قضايا حقيقية لا يمكن تجاهلها. وعفرين، كما الحسكة وكوباني، لها خصوصيتها وظروفها وتراكماتها، ومن الطبيعي أن يكون لأهلها الحق في المطالبة بمعالجة ما لحق بهم من سياسات وممارسات خلال عقود مختلفة.
لكن المسألة، في تقديري، لا تتوقف عند حدود عفرين. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نستطيع معالجة خصوصية كل منطقة من المناطق الكردية السورية، من دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى مسار سياسي منفصل عن القضية الكردية العامة؟
يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً إذا نظرنا إلى وضع التمثيل الكردي في المرحلة الراهنة. فقد كان مؤتمر وحدة الصف الكردي في قامشلو عام 2025 محاولة لتشكيل إطار سياسي مشترك، وانبثق عنه وفد كردي موحد يفترض أن يكون عنواناً للتفاوض مع دمشق. غير أن هذا المسار بقي متعثراً، ولم يتحول الوفد إلى طرف تفاوضي فاعل بالمعنى الذي كان ينتظره كثيرون.
وفي المقابل، أخذ مسار آخر يتقدم، تمثل في التفاوض المباشر بين دمشق ومظلوم عبدي وقسد، وصولاً إلى الترتيبات التي انتهت بحل قسد كقوة عسكرية مستقلة ودمج عناصر ومؤسسات ضمن الدولة السورية.
لا أرى في ذلك مجرد اختلاف في أساليب العمل السياسي، بل أعتقد أن وراءه سؤالاً أعمق يتعلق بمن يمتلك حق التحدث باسم الكرد السوريين، ومن يحدد أولويات قضيتهم، وكيف يمكن تحويل التعدد السياسي الموجود إلى قوة تفاوضية، بدلاً من أن يتحول إلى تنافس على صفة التمثيل.
ومن هنا يمكن فهم بعض التحركات المحلية، ومنها التحرك المتعلق بعفرين، في سياق أوسع من مجرد المطالبة بحقوق محلية. فقد يكون من الطبيعي، في ظل تعثر المسار الكردي المشترك، أن تحاول القوى السياسية والمجتمعية التحرك عبر المساحات التي تستطيع الوصول إليها مباشرة. لكن الخشية تكمن في أن يتحول ذلك، مع مرور الوقت، إلى نمط من التعامل مع القضية الكردية باعتبارها مجموعة ملفات جغرافية منفصلة: ملف عفرين هنا، وملف كوباني هناك، وملف الحسكة في مكان آخر، بينما تظل القضية السياسية العامة بلا إطار جامع.
وهنا تحديداً أجد أن الفكرة التي وردت في التقرير السياسي لحزب الوحدة حول ضرورة ربط المناطق الكردية الثلاث ـ الحسكة وكوباني وعفرين ـ تستحق التوقف عندها. فالربط لا يعني إلغاء خصوصية كل منطقة أو تجاهل مشاكلها المحلية، وإنما يعني النظر إليها باعتبارها أجزاء من قضية سياسية وحقوقية واحدة، مع الاعتراف بأن لكل منها ظروفاً وتفاصيل مختلفة.
وقد يبدو هذا الأمر أكثر تعقيداً إذا وسعنا زاوية النظر إلى ما يجري حول سوريا. فالمرحلة الحالية لا تُرسم داخل الحدود السورية وحدها. هناك تركيا، التي تنظر بحساسية شديدة إلى أي صيغة كردية يمكن أن تتحول إلى مصدر قلق أمني أو سياسي على حدودها، وهناك إقليم كردستان العراق بما يمتلكه من علاقات وتأثيرات إقليمية، وهناك مسار السلام التركي مع حزب العمال الكردستاني وما يمكن أن يترتب عليه من انعكاسات تتجاوز الساحة التركية إلى العراق وسوريا.
كما أن تراجع الدور الأمريكي المباشر في الملف الكردي السوري أتاح مساحة أوسع للحضور والنفوذ التركي، في الوقت الذي أصبحت فيه واشنطن أكثر ميلاً إلى دعم استقرار الدولة السورية والتعامل مع دمشق باعتبارها الشريك الأساسي في المرحلة الجديدة. وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تخلت عن كل ما راكمته خلال سنوات تعاونها مع الكرد، لكنه يعني بالتأكيد أن البيئة السياسية التي تحرك فيها الكرد خلال السنوات الماضية لم تعد هي نفسها.
أما مسار السلام التركي مع حزب العمال الكردستاني، فهو بدوره يستحق المتابعة بعيداً عن التمنيات أو المخاوف المسبقة. فإذا نجح هذا المسار في الوصول إلى ترتيبات مستقرة، فقد يفتح باباً لتغييرات أوسع في العلاقة بين تركيا والقوى الكردية في المنطقة. وإذا تعثر، فقد تعود الحسابات الأمنية إلى الواجهة، وتنعكس آثارها على الساحة السورية والعراقية. وفي الحالتين، يصعب فصل مستقبل القضية الكردية السورية عن هذه التحولات.
وهنا يمكن أن يكون لإقليم كردستان العراق دور مهم، ليس بالضرورة باعتباره طرفاً يفرض خياراته على الكرد السوريين، وإنما باعتباره يمتلك علاقات مع أنقرة ودمشق وواشنطن، وتجربة سياسية يمكن أن تساعد في تقريب وجهات النظر إذا توفرت الإرادة لذلك. وربما تكون الحاجة اليوم أكبر إلى دور كردي إقليمي عقلاني يساعد على تخفيف الاستقطاب، بدلاً من أن تتحول العلاقات الإقليمية لكل طرف كردي إلى مصدر جديد للانقسام.
وفي كل ذلك، أعتقد أن المشكلة الأساسية ليست في تعدد القوى والأحزاب والتيارات الكردية بحد ذاته. الاختلاف السياسي أمر طبيعي، بل قد يكون ضرورياً لأي حياة سياسية حقيقية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع على احتكار التمثيل، أو عندما يصبح كل طرف مقتنعاً بأن نجاحه السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب الطرف الآخر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن امتلاك القوة العسكرية أو السياسية في لحظة معينة لا يكفي وحده لضمان المستقبل. كما أثبتت أن الاعتماد على طرف إقليمي أو دولي يمكن أن يوفر هامشاً للحركة، لكنه لا يستطيع أن يصنع بديلاً عن التوافق الكردي الداخلي.
لذلك أرى أن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم اليوم على سؤال «من يمثل الكرد؟» هو سؤال آخر أكثر أهمية: كيف يستطيع الكرد السوريون أن يصنعوا تمثيلاً سياسياً مقبولاً، ومتوازناً، وقادراً على الدفاع عن حقوقهم، من دون أن يلغي أحدهم الآخر؟
وهذا يقودنا مرة أخرى إلى عفرين.
فالمطالبة بإعادة الأسماء التاريخية، ومعالجة ملف الملكيات، وتصحيح آثار سياسات التعريب، وضمان مشاركة أبناء المنطقة في إدارة شؤونها، ليست مطالب هامشية، ولا ينبغي أن تُختزل في خلاف حزبي أو إداري. لكنني أرى أن قوتها السياسية الحقيقية تكمن في ربطها بوضوح أكبر بالمسألة الدستورية السورية.
فإذا كانت سوريا الجديدة تتجه نحو بناء نظام سياسي مختلف، فإن معالجة آثار الماضي في عفرين لا ينبغي أن تكون مجرد إجراءات إدارية مؤقتة، بل ينبغي أن تجد مكانها ضمن رؤية دستورية تضمن حقوق الكرد باعتبارهم مكوّناً أصيلاً من مكونات سوريا، وتحمي لغتهم وثقافتهم وهويتهم، وتضمن المساواة في المواطنة، وتحول دون عودة السياسات التي أنتجت التعريب والتمييز والإقصاء بأشكال جديدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح عفرين أكثر من قضية منطقة جغرافية. إنها اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة السورية الجديدة في معالجة إرث السياسات التي مورست بحق الكرد، ليس في عفرين وحدها وإنما في مختلف المناطق الكردية السورية.
وهنا أعتقد أن الربط بين عفرين وكوباني والحسكة يصبح أكثر وضوحاً. فلكل منطقة قضاياها الخاصة، لكن القاسم المشترك بينها ليس جغرافياً فقط، وإنما حقوقي ودستوري أيضاً. وما يحتاجه الكرد ليس مجرد حلول مؤقتة لكل منطقة على حدة، بل ضمانات دستورية تمنع إعادة إنتاج المشكلة في المستقبل.
وربما هنا تحديداً ينبغي أن يكون الخطاب الكردي أكثر وضوحاً وجرأة: لا يكفي أن نحصل على اعتراف سياسي أو إداري عابر، ولا أن تُحل بعض الملفات المتعلقة بالأسماء أو الملكيات أو الإدارة المحلية، إذا بقيت الحقوق الكردية الأساسية خاضعة لتوازنات السلطة والظروف السياسية. المطلوب هو أن تتحول هذه الحقوق إلى حقوق دستورية ثابتة، لا يستطيع أي تغيير سياسي لاحق أن ينتزعها أو يفرغها من مضمونها.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، طرح القضية الكردية باعتبارها مشروع انفصال أو تقسيم لسوريا، بل على العكس؛ يمكن أن يكون تثبيت الحقوق الكردية دستورياً جزءاً من بناء دولة سورية أكثر استقراراً وعدالة، تقوم على الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، والمساواة بين مواطنيها، واحترام خصوصيات مناطقها ضمن وحدة الدولة.
من هنا، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه عفرين اليوم أكبر من عفرين نفسها: هل ستكون معالجة آثار الماضي مجرد تسويات محلية، أم ستكون مدخلاً إلى معالجة دستورية أوسع تنهي، بصورة واضحة ونهائية، إرث الإنكار والتعريب والتمييز؟
وهذا السؤال لا يخص عفرين وحدها، كما لا ينبغي أن يُترك لعفرين وحدها. إنه سؤال يخص مستقبل الكرد في سوريا، ومستقبل سوريا نفسها.
لذلك أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من سؤال «من يمثل الكرد؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي ينبغي أن يحمله التمثيل الكردي إلى طاولة التفاوض، وكيف يمكن تحويل المطالب الكردية من ملفات متفرقة إلى حقوق دستورية واضحة؟
فهنا يمكن أن تلتقي عفرين بالحسكة وكوباني، ويمكن أن تتحول خصوصية كل منطقة من عامل تفكيك إلى مصدر قوة، شرط أن نعرف كيف نربطها بإطار سياسي وحقوقي واحد.
هذه ليست قراءة باسم حزب أو تيار أو جهة سياسية، ولا أدعي أنها تعبر عن موقف أي طرف من أطراف الحركة الكردية السورية. إنها محاولة شخصية لقراءة المشهد كما يبدو لي، من موقع من يتابع هذه القضية منذ سنوات طويلة، ويعتقد أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء في قراءة المتغيرات، وقدر أكبر من الواقعية في إدارة الخلاف، وقدر أكبر من الشجاعة في البحث عن المشتركات.
ففي النهاية، عفرين ليست مجرد أسماء قرى ومدن تُعاد إلى الخرائط، وليست مجرد ملف ملكيات أو إدارة محلية. إنها جزء من اختبار أكبر: هل نستطيع أن نجعل من معالجة مظالم الماضي خطوة نحو ضمان حقوق المستقبل؟
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لربط عفرين بالحسكة وكوباني: ليس توحيد الملفات، وإنما توحيد المرجعية الحقوقية والدستورية التي تحميها جميعاً.
Kamal Baker @
Bonn: 06.09.2026