خالد بهلوي
يُعدّ الزواج حقًّا طبيعيًّا وحلمًا يسعى إلى تحقيقه كثير من الشباب السوريين، من أجل بناء أسرة وبدء حياة جديدة. إلا أن هذا الحلم تحوّل، في ظل الظروف الحالية، إلى تحدٍّ كبير؛ فمع غلاء المعيشة وزيادة الفقر والبطالة والهجرة والتقاليد الاجتماعية والتكاليف المتزايدة للزواج،
يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام طريق طويل وشاق لتحقيق حلم الاستقرار وتكوين أسرة تيجة ارتفاع تكاليف الأعراس والمبالغة أحيانًا في طلبات العروس وأهلها، يتحوّل الزواج إلى ما يشبه الصفقة التجارية بين طرفين، حيث أصبح المال والمكانة الاجتماعية والمظهر الخارجي من العوامل الأساسية في اختيار شريك الحياة، بينما يجري تجاهل المشاعر والتوافق النفسي والفكري والإنساني، بل وسعادة الفتاة نفسها.
لم يعد الزواج، في بعض الحالات، مجرد علاقة بين شخصين يسعيان إلى بناء أسرة سعيدة، بل أصبح قائمًا على المظاهر المؤقتة والمعايير المادية، التي قد تكون سببًا في فشل العلاقات وتدمير الأسرة وتشريد الأطفال، وقد تؤدي أحيانًا إلى الخلافات والخيانة الزوجية.
لأن المعيار الحقيقي، في نظر البعض، أصبح ما يملكه الشاب من مال وقدرته على إقامة حفلات زفاف فاخرة ومبالغ فيها، فإننا نغفل أحيانًا عن الظروف القاسية التي قد تواجه الزوجين مستقبلًا، وعن قدرتهما على تحمّل الفقر أو مواجهة الأزمات غير المتوقعة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب المتطلبات الكثيرة التي تُفرض على الشاب، فضلًا عن ضرورة تأمين المسكن والأثاث وغرفة النوم، وفقًا لبعض التقاليد السائدة، إضافة إلى دفع المهر.
وقد وصلت مطالب بعض الأسر إلى أرقام مبالغ فيها؛ فهناك من يطلب 400 غرام من الذهب، إلى جانب إقامة حفل يليق بالفتاة في فندق أو قاعة من فئة خمس نجوم. وهناك من يطلب 200 غرام من الذهب مع خمسة آلاف نقدًا وإقامة حفل من فئة أربع نجوم. كما قد تصل بعض الطلبات إلى 150 غرامًا من الذهب، وخمسة آلاف يورو، وألف يورو تُسمّى «حق حليب الأم»، فضلًا عن مطالب مادية أخرى.
كل هذه الطلبات تجعل الزواج عبئًا ثقيلًا على كاهل الشباب في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
وقد يضطر بعض الشباب إلى تأجيل الزواج لسنوات طويلة من أجل جمع المال. يعمل الشاب ويتقاضى راتبًا شهريًا، لكنه كلما تمكن من جمع بعض المال ارتفعت تكاليف الزواج أكثر، فيجد نفسه وكأنه يخوض سباقًا لا ينتهي مع طلبات زوجه المستقبل. بينما يفقد آخرون الأمل في تحقيق هذا الحلم بسبب عدم قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الزوجية.
وتنسى بعض أسر العروس أن ما يقدمه العريس من أموال وتكاليف باهظة قد ينعكس سلبًا على حياة ابنتهم مستقبلًا، لأن هذه النفقات قد تتحول إلى ديون مستحقة تثقل كاهل الزوج وتؤثر في استقرار الأسرة.
إن التخفيف من معاناة الشباب السوريين في موضوع الزواج يحتاج إلى تعاون الأسرة والمجتمع معًا. فمن الضروري تشجيع الزواج البسيط، والابتعاد عن المظاهر والتكاليف غير الضرورية، وتقديم الدعم للشباب بدلًا من زيادة الضغوط والأعباء عليهم.
ومع ذلك، يبقى الأمل موجودًا، خاصة إذا سعى المجتمع إلى تخفيف الأعباء عن الشباب والتعاون بين الأسرتين. فبناء الأسرة يجب أن يكون بداية ممكنة لحياة تقوم على المودة والتفاهم والرحمة والمسؤولية المشتركة.
فعندما تنتهي مراسم الاحتفال، ويعود الضيوف إلى منازلهم، وتتراجع الصور تدريجيًا من مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى شخصان في مواجهة الحياة اليومية بكل تفاصيلها وتحدياتها.
لذلك، فإن نجاح الزواج لا يعتمد على حجم الحفل، أو قيمة الذهب، أو فخامة القاعة، وإنما يعتمد على التفاهم والاحترام والمحبة والقدرة على مواجهة صعوبات الحياة معًا. فهذه هي الأسس الحقيقية التي تبني بيتًا سعيدًا وأسرة مستقرة.