بعد أن تغيّرت المرحلة… نحو صيغة توافقية للقرار الكردي السوري

كمال بكر

ربما لم يعد من المفيد، في هذه اللحظة تحديداً، أن نستمر في البحث عن إجابة لسؤال: من كان على صواب، ومن أخطأ في المرحلة السابقة؟
ليس لأن مراجعة الماضي لم تعد ضرورية، بل لأن المرحلة نفسها تغيّرت، ومع تغيّرها تبدلت الكثير من المعطيات السياسية والتنظيمية والإقليمية التي حكمت طريقة تعاملنا مع القضية الكردية في سوريا خلال السنوات الماضية.
والسؤال الذي يبدو أكثر إلحاحاً اليوم هو: كيف نستطيع، انطلاقاً من المعطيات المتوفرة، أن نصل إلى صيغة توافقية تستجيب لمتطلبات المرحلة المقبلة وتحافظ على جوهر القضية الكردية وحقوق شعبنا في سوريا؟
هذا السؤال لا يفترض أن أحداً كان يمتلك الحقيقة كاملة، كما لا يعني أن ما جرى خلال السنوات الماضية كان بلا قيمة. فقد كانت هناك تضحيات ومواقف وتجارب سياسية وعسكرية وثقافية ومدنية، أسهمت جميعها، بدرجات متفاوتة، في إبقاء القضية الكردية حاضرة في المشهد السوري والإقليمي والدولي.
لكن الاعتراف بقيمة ما تحقق لا يعني الاستمرار في استخدام الأدوات نفسها بعد أن تغيّرت الظروف.
لقد انتقل المشهد من مرحلة كانت فيها القوة العسكرية والإدارة الفعلية للأرض تشكلان جزءاً أساسياً من المعادلة، إلى مرحلة تتقدم فيها السياسة والتفاوض والضمانات الدستورية والقانونية، وإعادة ترتيب العلاقة بين المكونات السورية والدولة ومؤسساتها.
وهذا التحول يفرض، بالضرورة، إعادة النظر في طريقة إدارة الشأن الكردي السوري.
ولعل الخطوة الأولى في هذه المراجعة هي أن ندرك أن تعدد الأحزاب ليس المشكلة بحد ذاته. فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أدار اختلافاته ضمن إطار من الاحترام والتنافس الديمقراطي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى تعدد في المرجعيات والمشاريع، أو عندما يصبح الاختلاف السياسي سبباً للقطيعة والتخوين، أو عندما تتقدم مصلحة التنظيم على المصلحة الوطنية الأوسع.
لذلك، فإن البحث عن صيغة توافقية لا يعني إلغاء الأحزاب، ولا دمجها في تنظيم واحد، ولا مطالبة أي طرف بالتخلي عن خصوصيته أو تاريخه.
المطلوب، ببساطة، هو الانتقال من تعدد الأحزاب إلى تعدد داخل إطار وطني مشترك.
إطار يتفق فيه الجميع على الحد الأدنى الذي لا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ويترك لكل طرف حقه في الاحتفاظ ببرنامجه ورؤيته وخصوصيته.
وهنا يمكن أن يبدأ السؤال العملي: ما الذي يمكن أن نتفق عليه؟
ربما نستطيع الاتفاق على أن القرار المتعلق بالشأن الكردي السوري ينبغي أن يكون قراراً مستقلاً، نابعاً من مصالح الكرد في سوريا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عمقهم الطبيعي في المحيط الكردستاني، وعلى علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.
ويمكن الاتفاق على أن الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد ينبغي أن تكون جزءاً واضحاً من أي صيغة دستورية جديدة لسوريا، وأن معالجة القضية الكردية لا يمكن أن تقوم على الاعتراف الرمزي وحده، بل تحتاج إلى ضمانات قانونية ودستورية قابلة للتطبيق.
كما يمكن الاتفاق على أن سوريا المستقبل ينبغي أن تكون دولة ديمقراطية تعددية، وأن شكل الدولة وآليات توزيع السلطة والثروة والإدارة المحلية يجب أن تتيح لجميع مكوناتها المشاركة الفعلية في إدارة شؤونها.
ومن الممكن أيضاً أن تشكل قضايا المهجرين والنازحين، وحق العودة، وحماية الملكية، والتعويض، ومعالجة آثار التغيير الديموغرافي والانتهاكات، جزءاً من أي رؤية كردية مشتركة للمرحلة القادمة.
وفي هذا السياق، تبقى عفرين واحدة من القضايا التي لا ينبغي أن تفقد مكانتها في الوعي السياسي الكردي السوري. فمعالجة قضية عفرين لا تحتاج إلى خطاب تصعيدي، لكنها تحتاج إلى استمرار حضورها في أي نقاش سياسي يتعلق بحقوق الكرد، وعودة المهجرين، وحماية الممتلكات، وإنصاف المتضررين.
وإذا كان من الضروري الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق السياسة، فإن ذلك لا يعني التخلي عن القضايا والحقوق، بل يعني البحث عن وسائل أكثر فاعلية للدفاع عنها.
من هنا تبرز أهمية اللقاءات التشاورية بين القوى والأحزاب السياسية الكردية في سوريا.
أهميتها لا تكمن في أنها تستطيع، في جلسات قليلة، حل جميع الخلافات المتراكمة خلال عقود، وإنما في أنها توفر فرصة ضرورية للجلوس معاً بعيداً عن لغة الاصطفاف، والانتقال من تبادل المواقف إلى البحث عن المشتركات.
فالخلاف السياسي أمر طبيعي، بل قد يكون صحياً في الحياة العامة، لكن المطلوب هو أن نتعلم إدارة الاختلاف بدلاً من تحويله إلى صراع.
وقد يكون من المفيد، في مرحلة لاحقة، التفكير في صيغة تمثيلية أوسع تضم شخصيات سياسية وثقافية وأكاديمية وحقوقية وإعلامية مستقلة، إلى جانب القوى الحزبية، بحيث لا يبقى الحوار محصوراً في البنية التنظيمية للأحزاب وحدها.
فالقرار الوطني، لكي يكون قوياً وشرعياً، يحتاج إلى أوسع قدر ممكن من التمثيل الاجتماعي والسياسي.
ومن هنا يمكن أن تتطور اللقاءات التشاورية تدريجياً نحو صيغة أكثر تنظيماً، وربما نحو مؤتمر كردي سوري جامع، تكون مهمته الأساسية الاتفاق على رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة، وتحديد الأولويات وآليات التمثيل والتفاوض، وليس إعادة توزيع النفوذ بين القوى والأحزاب.
وهنا تحديداً ينبغي أن ننتبه إلى أمر أساسي:
المرجعية الوطنية المشتركة لا تعني إلغاء المرجعيات الحزبية، بل تعني وجود مساحة فوق حزبية تستطيع أن تتحدث باسم الحد الأدنى المتفق عليه.
إن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، وقد تحمل تناقضات وضغوطاً داخلية وإقليمية ودولية. ولذلك فإن التشتت في هذه المرحلة قد يكون أكثر كلفة من أي وقت مضى، بينما يمكن للتوافق أن يمنح الموقف الكردي وزناً أكبر، حتى لو بقيت الخلافات قائمة في التفاصيل.
وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة للانتقال من ثقافة السؤال: ماذا فعل الآخرون؟ إلى سؤال أكثر مسؤولية: ماذا نستطيع نحن أن نفعل الآن؟
ليس المطلوب أن نتفق على قراءة واحدة للتاريخ، ولا أن نتنازل عن قناعاتنا السياسية، ولا أن ننسى ما حدث.
المطلوب أن نضع ما نختلف عليه في مكانه الطبيعي، وما نتفق عليه في مكانه الصحيح.
فالقضية الكردية في سوريا أكبر من أي حزب، وأوسع من أي قيادة، وأبقى من أي مرحلة سياسية.
وإذا كانت المرحلة السابقة قد فرضت أدواتها وظروفها، فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي قادر على استيعاب التحولات، وإلى مؤسسات أكثر انفتاحاً، وإلى قرار أكثر استقلالاً، وإلى قدرة أكبر على التوافق.
وربما لا نستطيع اليوم أن نتفق على كل شيء.
لكننا نستطيع أن نتفق على ما لا يجوز أن نخسره.
وهذا، في تقديري، يمكن أن يكون نقطة البداية الحقيقية لأي صيغة توافقية للقرار الكردي السوري.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي يُعدّ الزواج حقًّا طبيعيًّا وحلمًا يسعى إلى تحقيقه كثير من الشباب السوريين، من أجل بناء أسرة وبدء حياة جديدة. إلا أن هذا الحلم تحوّل، في ظل الظروف الحالية، إلى تحدٍّ كبير؛ فمع غلاء المعيشة وزيادة الفقر والبطالة والهجرة والتقاليد الاجتماعية والتكاليف المتزايدة للزواج، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام طريق طويل وشاق لتحقيق حلم الاستقرار وتكوين أسرة تيجة…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ ولا تقف ثروات إيران عند النفط والغاز والزراعة. فهي من الدول الكبرى في عدد من الخامات المعدنية، ومن كبار منتجي خام الحديد والأسمنت والرصاص والباريت والموليبدينوم والجبس والحديد المختزل المباشر. أي إن لديها قاعدة طبيعية كان يمكن أن تقوم عليها صناعة ثقيلة وصناعات تحويلية ضخمة. لكن المادة الخام…

عبدالقادر حسن استعاد منتخب سوريا لكرة القدم السداسية صورته القوية في مونديال «SOCCA 2026» بمدينة إيسن الألمانية، وحجز بطاقة العبور إلى دور الـ16 بفوز كبير ومستحق على جورجيا بأربعة أهداف دون رد في مباراة تألق خلالها قائد المنتخب أياز عثمان بصورة لافتة. وجاء الهدف السوري الأول بعد تمريرة من أياز عثمان هيأ بها الكرة أمام محمد حجي الذي سددها بإتقان…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، اليوم، ببالغ الحزن والأسى، نبأ رحيل الكاتب والصحفي المصري، السيد عبدالفتاح علي، مؤسس ومدير دار نفرتيتي للنشر والدراسات والترجمة، الذي وافته المني اليوم في القاهرة، بعد صراع مع مرض عضال. المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام، وباسم الزميلات والزملاء في الاتحاد، يتقدم بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرة الراحل…