عبد الحليم إبراهيم
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحولات السياسية والعسكرية والجيوسياسية مع إعادة رسم موازين القوى والعلاقات بين دول المنطقة ومكوناتها. وفي خضم هذه التحولات، تبرز القضية الكوردية في سوريا باعتبارها واحدة من الملفات الوطنية والإقليمية التي لا يمكن فصلها عن طبيعة التحولات الجارية في المنطقة.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه هل أصبحت حقوق الشعب الكوردي في سوريا جزءاً من سياق مشروع إقليمي ودولي لإعادة صياغة الشرق الأوسط، أم أن مستقبل هذه الحقوق سيبقى مرتبطاً أساساً بقدرة الكورد على بناء مشروع سياسي وطني واضح، وبقدرة السوريين على تأسيس دولة جديدة تعترف بالتعدد القومي والثقافي والسياسي؟
إن قراءة الواقع بعيداً عن العواطف والشعارات تفرض علينا الاعتراف بأن القضية الكوردية في سوريا لم تعد شأناً سورياً داخلياً فقط، كما أنها ليست ورقة يمكن لأي طرف إقليمي أو دولي استخدامها إلى ما لا نهاية. فقد أثبتت التطورات خلال السنوات الماضية أن موقع سوريا الجغرافي، وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية فيها، جعلا من القضية الكوردية جزءاً من شبكة واسعة من المصالح والصراعات وإعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط.
لكن الخطأ الأكبر سيكون في الاعتقاد بأن حقوق الكورد يمكن أن تتحقق فقط من خلال المشاريع الدولية أو التحولات الإقليمية. فالمشاريع الدولية تتغير وفقاً للمصالح، والتحالفات تتبدل، والقوى الكبرى قد تدعم طرفاً في مرحلة ثم تعيد حساباتها في مرحلة أخرى. أما الحقوق القومية والوطنية المستدامة، فلا يمكن حمايتها إلا من خلال مشروع سياسي كوردي متوازن، يستند إلى وحدة الصف، والواقعية السياسية، والتمسك بالحقوق المشروعة، والانفتاح على مختلف مكونات المجتمع السوري.
لقد أثبت التاريخ أن الكورد كانوا في كثير من المحطات أمام خيارات صعبة نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس انتظار ما ستقرره القوى الكبرى بشأن مستقبل سوريا، وإنما أن يكون للكورد حضور وتأثير في صياغة مستقبل بلادهم، وأن ينتقلوا من موقع رد الفعل إلى موقع الفاعل السياسي.
إن حقوق الشعب الكوردي في سوريا ليست منحة من أحد، وليست نتيجة ظرف عابر، وإنما هي قضية وطنية مرتبطة بتاريخ الشعب الكوردي ووجوده ودوره في سوريا. وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن هذه الحقوق يجب أن يجري ضمن رؤية سياسية واقعية تأخذ بعين الاعتبار وحدة سوريا، وحقوق جميع مكوناتها، وبناء دولة ديمقراطية لا مركزية تقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي.
ومن هنا تبرز أهمية المرحلة الراهنة. فإذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب منظومتها السياسية والأمنية والاقتصادية، فإن الكورد أمام فرصة تاريخية، ولكنها في الوقت نفسه فرصة محفوفة بالمخاطر. فالفرص لا تتحول إلى مكاسب سياسية إلا عندما تمتلك القوى السياسية رؤية واضحة وقدرة على التفاوض وتوحيد الموقف، وتجنب الانقسامات التي أضعفت القضية الكوردية في مراحل عديدة.
إن مستقبل حقوق الكورد في سوريا لن يتحدد في غرف القوى الدولية وحدها، ولن يُحسم بالسلاح وحده، بل سيتحدد أيضاً من خلال طبيعة المشروع السياسي الذي يقدمه الكورد لسوريا الجديدة. مشروع لا يقوم على الإقصاء أو الانفصال عن محيطه، وإنما على شراكة وطنية حقيقية، ودستور يعترف بالتعدد القومي والثقافي، وضمان الحقوق السياسية والإدارية والثقافية واللغوية للشعب الكوردي.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن شرق أوسط جديد يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتعليق مستقبل الشعوب على إرادة القوى الخارجية. فالمنطقة تتغير، نعم، لكن الشعوب أيضاً تمتلك حقها في تحديد مستقبلها. والكورد، بما يمثلونه من مكوّن أساسي في سوريا، يجب أن يكونوا جزءاً من عملية صناعة المستقبل، لا مجرد طرف ينتظر نتائج التفاهمات الدولية والإقليمية.
إن الرهان الحقيقي أمام الكورد اليوم هو توحيد الصف السياسي، وبناء رؤية مشتركة، والابتعاد عن سياسة المحاور، والاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية دون التحول إلى أداة في صراعات الآخرين. فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، والسياسة الناجحة هي التي تعرف كيف تحوّل المتغيرات إلى فرص تخدم القضية الوطنية.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط هل مصير حقوق الكورد في سوريا مرتبط بمشروع الشرق الأوسط الجديد؟ بل السؤال الأهم هو هل يمتلك الكورد مشروعاً سياسياً موحداً وقادراً على التعامل مع هذا الشرق الأوسط المتغير؟
فالتحولات الدولية قد تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن النتائج. والقوى الخارجية قد تساعد في صناعة الظروف، لكنها لا تستطيع أن تبني وحدها مستقبلاً سياسياً مستداماً للكورد. أما ضمان الحقوق، فيحتاج إلى إرادة سياسية كوردية موحدة، وشراكة سورية حقيقية، ودستور جديد يضع حداً لعقود من الإنكار والتهميش، ويؤسس لدولة تحترم جميع مكوناتها.
فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الكورد قراءة المتغيرات بعقل سياسي هادئ، بعيداً عن الانفعال والتخوين، وأن يدركوا أن وحدة الصف الكوردي ليست شعاراً، بل ضرورة سياسية، وأن حقوقهم المشروعة لا ينبغي أن تكون رهينة لأي مشروع إقليمي أو دولي، وإنما يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من مشروع بناء سوريا الجديدة.
إن الشرق الأوسط يتغير، وسوريا تتغير، ومن ينجح في قراءة هذه التحولات وامتلاك مشروع سياسي واقعي ومتوازن سيكون أكثر قدرة على حماية حقوقه وصناعة مستقبله.