محمدالشرف الحسيني
الرابع عشر: كوردستان ليست خيارًا غربيًا فحسب، بل خيارًا مصيريًا لجيرانها
فإذا كان قيام دولة كوردستان المستقلة، وفق ما سبق، يمكن أن يتحول إلى خيار استراتيجي للغرب، فإن قيامها بالنسبة إلى الدول التي تسيطر اليوم على أجزاء من كوردستان قد يكون، قبل كل شيء، خيارًا مصيريًا لها ولأجيالها القادمة.
فالدول التي تتقاسم جغرافيا كوردستان اليوم ليست مضطرة إلى النظر إلى قيام دولة كوردستان باعتباره نهاية لعلاقاتها مع الكورد، أو تهديدًا وجوديًا لها. بل تستطيع، إذا أحسنت قراءة التاريخ والمستقبل، أن تحول هذه اللحظة التاريخية من صراع على الأرض إلى شراكة بين شعوب وجوار متداخل.
وهنا يبرز السؤال الأكبر:
أما آن الأوان لهذه الدول أن تعيد قراءة التاريخ، وأن تنتقل من منطق السيطرة على كوردستان إلى منطق الشراكة معها؟
فما يجمع شعوب المنطقة أكبر بكثير مما يفرقها: تاريخ مشترك، وجغرافيا متداخلة، وأديان متقاربة ومشتركة في أجزاء واسعة، ومجتمعات متداخلة، واقتصادات ومصالح متشابكة، وإرث حضاري تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل.
لقد انتقلت المنطقة، خلال القرنين الأخيرين، من فضاء كانت تربطه في مراحل تاريخية سابقة اتحادات وإمبراطوريات وروابط دينية وجغرافية وسياسية متداخلة، إلى نظام من الدول القومية والحدود الصلبة.
وكان من الممكن أن تتحول هذه الدولة الحديثة إلى إطار للتعايش والشراكة، لكنها تحولت في مراحل عديدة إلى أداة لإدارة التنوع بالقوة، وإلى وسيلة لفرض الهوية القومية للدولة على شعوب وجماعات أخرى.
ومن هنا فإن القضية الكوردية لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها مطالبة شعب بدولة، بل بوصفها اختبارًا تاريخيًا للدول القائمة نفسها:
هل تستطيع هذه الدول أن تنتقل من مفهوم الدولة التي تفرض وحدتها على شعوبها بالقوة، إلى مفهوم الدولة التي تحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتبني علاقاتها مع جيرانها على أساس المصالح المتبادلة والعدالة؟
إن الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره لا يعني بالضرورة قيام حدود عدائية أو قطيعة مع الجيران.
بل يمكن أن يكون العكس تمامًا.
فدولة كوردستان المستقلة يمكن أن تكون، إذا قامت على أسس ديمقراطية وقانونية، أفضل جار لتركيا وإيران والعراق وسوريا، وأفضل شريك اقتصادي وأمني لها، بدل أن تكون قضية أمنية مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وهنا يمكن للدول المجاورة أن تعيد تعريف مصالحها.
فبدل إنفاق الموارد السياسية والعسكرية والأمنية في محاولة إبقاء كوردستان تحت السيطرة، يمكن توجيه هذه الموارد نحو بناء علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية جديدة معها.
وبدل النظر إلى الحدود باعتبارها خطوط فصل، يمكن تحويلها إلى جسور للتجارة والتنمية والتواصل.
وبدل أن تكون كوردستان منطقة تنافس وصراع بين القوى الإقليمية، يمكن أن تصبح منطقة توازن ومصالح مشتركة بينها.
وهذا هو جوهر التحول المطلوب:
أن تنتقل العلاقة من السيطرة إلى الشراكة، ومن الخوف إلى الثقة، ومن الصراع على الجغرافيا إلى التعاون داخل الجغرافيا.
فإذا كانت الدول التي تسيطر على أجزاء من كوردستان تريد فعلًا أن تضمن مستقبلها، فعليها أن تدرك أن التاريخ لا يتوقف عند حدود المرحلة الراهنة، وأن الشعوب التي حُرمت طويلًا من حق تقرير مصيرها لا يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج معادلة التاريخ.
والدولة التي تبادر إلى الاعتراف بحقوق الكورد، وتدعم انتقال القضية من الصراع إلى الحل السياسي، قد لا تخسر كوردستان؛ بل قد تكسب كوردستان شريكًا استراتيجيًا.
أما الإصرار على منطق الإنكار والسيطرة والقمع، فقد يجعل القضية أكثر تعقيدًا مع مرور الزمن، ويحولها من فرصة لبناء شراكة تاريخية إلى صراع مفتوح بين أجيال متعاقبة.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
كيف نمنع قيام كوردستان؟
بل:
كيف نبني علاقة جديدة مع كوردستان عندما تقوم؟
فالتاريخ لا يمنح الدول فرصًا كثيرة لإعادة تصحيح أخطائها.
وربما تكون الفرصة الآن أمام دول المنطقة لكي تعيد قراءة موقعها من القضية الكوردية، وأن تدرك أن العدالة ليست بالضرورة خسارة سياسية، وأن الاعتراف بحقوق الآخرين لا يعني بالضرورة نهاية مصالحها.
بل قد يكون الطريق الأكثر عقلانية للحفاظ على مصالحها في المستقبل.
فكوردستان التي تتحول من أرض متنازع عليها إلى دولة مستقلة، قد تكون أقرب إلى جيرانها سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا من كوردستان التي تبقى ساحة مفتوحة للصراع بينهم.
ومن هنا، فإن قيام كوردستان لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه انتصارًا للكورد على جيرانهم، ولا هزيمة لجيرانهم أمام الكورد، بل يمكن أن يكون تسوية تاريخية بين شعوب المنطقة نفسها؛ تسوية تنهي قرنًا من الصراع حول سؤال الهوية والجغرافيا والسيادة، وتفتح قرنًا جديدًا من الشراكة والتنمية والسلام.
الخلاصة: من الفرص الضائعة إلى الضرورة الاستراتيجية
لقد تغيرت المعادلة.
ما كان يُنظر إليه في القرن العشرين باعتباره خطرًا أو عبئًا، يمكن أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى فرصة استراتيجية.
لكن من الضروري أن يكون واضحًا أن قيام دولة كوردستان ليس «الحل الوحيد» لكل مشكلات الشرق الأوسط، ولا ضمانة تلقائية لبقاء الحضارة الأوروبية؛ فهذه قضايا أعقد من أن يحلها عامل واحد.
لكن قيام دولة كوردستان مستقرة وديمقراطية يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح إعادة بناء التوازن الإقليمي، وتقليص مصادر الصراع، وفتح مسار جديد للتنمية والسلم والتعاون بين الشرق والغرب.
إن الغرب يستطيع أن يستمر في إدارة الشرق الأوسط من خلال الصفقات المؤقتة مع القوى الإقليمية، لكنه سيبقى عندها أسيرًا لموازين القوة القديمة، التي تدفع بعض دول المنطقة باستمرار إلى البحث عن الأمن من خلال الهيمنة على الجغرافيا والمجتمعات المجاورة.
وقد يكون أحد جذور هذه المشكلة ما يمكن تسميته «عقدة المكان والتاريخ»؛ أي شعور بعض القوى الإقليمية بأن أمنها لا يتحقق إلا من خلال السيطرة على المجال المحيط بها، وهي عقلية أنتجت عبر التاريخ حروبًا وعمليات تهجير وتغييرًا ديموغرافيًا وصراعات ممتدة.
أما إذا اختار الغرب دعم مسار يؤدي إلى قيام دولة كوردستان على أساس القانون الدولي، والتوافق الإقليمي، والديمقراطية، وحماية جميع مكونات المنطقة، فإنه قد يساهم في صناعة شرق أوسط مختلف.
شرق لا تكون فيه كوردستان قضية أمنية مؤجلة، ولا ورقة تفاوض بين القوى الإقليمية، بل دولة مستقرة وشريكًا استراتيجيًا.
ولهذا فإن الرسالة إلى الغرب واضحة:
كوردستان ليست عبئًا استراتيجيًا كما كان يُنظر إليها في بعض مراحل القرن العشرين؛ بل قد تصبح في القرن الحادي والعشرين فرصة استراتيجية للغرب نفسه.
وإذا كان الماضي قد جعل قيام كوردستان يبدو لبعض القوى خطرًا على مصالحها، فإن المستقبل قد يجعل عدم قيامها هو الخطر الحقيقي.
لذلك لا ينبغي للغرب أن يسأل فقط:
ماذا سيحدث إذا قامت كوردستان؟
بل عليه أن يطرح السؤال الأصعب:
ماذا سيحدث إذا لم تقم كوردستان؟