صلاح عمر
مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم في أقسى الظروف؛ لكننا لم ننجح دائمًا في أن نتعلم بالقدر نفسه كيف تُدار السياسة الدولية، وكيف تتغير مصالح الدول، وكيف تُبنى التحالفات وكيف تنتهي، وكيف تتحول القوة العسكرية إلى ورقة سياسية، ثم كيف تتحول الورقة السياسية إلى مكسب دستوري وقانوني دائم.
وهنا تكمن المأساة.
نحن كثيرًا ما دخلنا التاريخ بالسلاح، ثم تركناه للآخرين كي يكتبوا نهايته على طاولة السياسة.
وفي كل مرة كانت القوى الدولية والإقليمية تعيد ترتيب مصالحها، كنا ننشغل نحن بإعادة ترتيب خلافاتنا الداخلية. وحين كانت الدول تدرس خرائط المنطقة وموازين القوى ومصالحها لعقود، كنا نستهلك طاقتنا في صراعات حزبية وشخصية، وفي تخوين بعضنا، وفي إثبات من هو «الأكثر كردية» بدل أن نسأل السؤال الأخطر: كيف نجعل الكرد أكثر قدرة على التأثير في القرار؟
لقد تكرر هذا المشهد، بدرجات مختلفة، في أجزاء كردستان الأربعة. وفي كل جزء كانت هناك خصوصية تاريخية وسياسية مختلفة، لكن المشكلة المشتركة بقيت واحدة: وجود طاقة قومية هائلة، مقابل ضعف في تحويل هذه الطاقة إلى استراتيجية سياسية مشتركة.
والتجربة الكردية في سوريا تقدم لنا اليوم درسًا قاسيًا لا يجوز الهروب منه.
فبعد سقوط نظام الأسد، ثم الاتفاقات التي بدأت بمسار دمج القوات والمؤسسات الكردية في الدولة السورية، انتهى المسار في آب/أغسطس 2026 إلى إعلان حلّ قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، وانتقال مؤسسات عسكرية ومدنية كانت قائمة في مناطق الإدارة الذاتية إلى إطار الدولة السورية.
ولا ينبغي قراءة هذا التطور بعقلية الانتصار أو الهزيمة فقط.
فالتاريخ السياسي أكثر تعقيدًا من ذلك.
لقد امتلكت التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا خلال سنوات الحرب أوراق قوة حقيقية: قوة عسكرية، جغرافيا، مؤسسات، إدارة، علاقات دولية، ودورًا مهمًا في الحرب على داعش. لكن امتلاك الأوراق لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى مكاسب سياسية دائمة. وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه بصدق، بعيدًا عن المبالغة في تمجيد التجربة أو جلدها.
فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تنتج اعترافًا سياسيًا دائمًا. والتحالف الدولي، مهما كان مهمًا، لا يتحول تلقائيًا إلى ضمانة دائمة للمصالح الكردية. والإدارة الذاتية، مهما بنت من مؤسسات، تبقى معرضة للتغيير إذا لم تتحول مكتسباتها إلى حقوق دستورية راسخة داخل الدولة.
لقد تغيّر العالم من حولنا، وتغيّرت الأولويات الدولية، وتبدلت خرائط النفوذ، وأصبح لكل قوة دولية حساباتها الخاصة. وفي النهاية، دخلت القضية الكردية في سوريا مرحلة جديدة لم تعد فيها المسألة: من يملك الأرض؟ بل: من يملك القدرة على تثبيت الحقوق داخل الدولة الجديدة؟
وهنا تبدأ مسؤولية الحركة الوطنية الكردية، لا تنتهي.
إن الخطأ الأكبر سيكون أن نتعامل مع ما حدث بمنطق شماتة حزبية أو انتصار طرف كردي على طرف آخر. فهذه ليست لحظة لتوزيع شهادات الوطنية، وإنما لحظة لإعادة بناء العقل السياسي الكردي.
المطلوب اليوم ليس أن نسأل: من كان على حق طوال السنوات الماضية؟
بل أن نسأل: ماذا تعلمنا؟
تعلمنا أن الانقسام الكردي ليس مجرد مشكلة تنظيمية؛ إنه يتحول، في اللحظات التاريخية الكبرى، إلى خسارة سياسية. وتعلمنا أن تعدد الأحزاب لا ينبغي أن يعني تعدد المواقف القومية في القضايا المصيرية. وتعلمنا أن العلاقات الدولية ليست صداقات أبدية، وأن الدول لا تتحرك بدافع التعاطف مع الشعوب، وإنما وفق مصالحها، وأن من لا يملك مشروعًا سياسيًا واضحًا سيجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، جزءًا من مشروع الآخرين.
لذلك، فإن المطلوب من الحركة الوطنية الكردية في سوريا اليوم هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل.
أن تعيد تعريف القضية الكردية على أساس سياسي واضح: الكرد ليسوا جماعة تطلب امتيازًا، ولا أقلية تبحث عن حماية مؤقتة، بل مكوّن قومي أصيل من مكونات سوريا، له تاريخ وأرض ولغة وثقافة وحقوق سياسية، ويريد أن يعيش داخل دولة سورية موحدة، ديمقراطية، لامركزية، تعددية، ودستورية.
والمطلوب أن تتحول هذه الرؤية إلى مشروع سياسي موحد، لا إلى بيانات متفرقة.
مشروع يحدد بوضوح: الحقوق القومية، واللغة، والتعليم، والثقافة، والإدارة المحلية، والمشاركة السياسية، والتمثيل في مؤسسات الدولة، والعدالة في توزيع الموارد، وضمانات دستورية تمنع عودة سياسات الإنكار والتعريب والتهميش.
والأهم من ذلك كله: أن تدرك الحركة الوطنية الكردية أن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى حزب كردي أقوى من حزب كردي آخر، بل تحتاج إلى قضية كردية أقوى من جميع الأحزاب.
نحن بحاجة إلى مرجعية سياسية وطنية كردية تتسع للجميع، لا تلغي أحدًا ولا تسمح لأحد بأن يحتكر تمثيل الكرد. نحتاج إلى عقل يتجاوز ثنائية «مع هذا الحزب أو ضد ذاك»، لأن مستقبل شعب كامل لا يمكن أن يبقى رهينة الخلافات التنظيمية.
لقد آن الأوان أن نخرج من السياسة التي تجعل من الاختلاف الداخلي معركة وجود، إلى سياسة تجعل من الاختلاف وسيلة لإنتاج رؤية أفضل.
فالوحدة الكردية ليست أن نتفق على كل شيء؛ الوحدة أن نعرف ما الذي لا يجوز أن نختلف عليه.
ولا يجوز أن نختلف على أن الكرد يريدون دولة سورية ديمقراطية يتساوون فيها مع غيرهم، ولا يجوز أن نختلف على حماية هويتهم ولغتهم وثقافتهم، ولا يجوز أن نختلف على رفض العودة إلى زمن الإنكار، ولا يجوز أن نختلف على أن حقوقهم يجب أن تكون حقوقًا دستورية لا وعودًا سياسية قابلة للتبدل.
إن المرحلة الجديدة تفرض على الحركة الوطنية الكردية أن تنتقل من عقلية «من يمثل الكرد؟» إلى عقلية «كيف نمثل القضية الكردية بأفضل صورة؟»
وهذا فرق هائل.
فالممثل السياسي يمكن أن يتغير، والحزب يمكن أن يصعد أو يتراجع، والقيادة يمكن أن تأتي وتذهب؛ أما القضية فتبقى.
لقد دفع الكرد ثمنًا باهظًا لأنهم، في مراحل كثيرة، جعلوا خلافاتهم أصغر من القضية، ثم سمحوا لهذه الخلافات أن تصبح أكبر من القضية.
وهذه هي اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها هذا النزيف.
ليس المطلوب أن نبكي على ما ضاع، ولا أن نعيش على أمجاد ما تحقق، بل أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن المرحلة السابقة انتهت، وأن السياسة الجديدة تحتاج إلى أدوات جديدة.
فالذي انتهى هو شكل من أشكال إدارة القوة، وليس القضية الكردية.
والذي تغير هو ميزان القوى، وليس وجود الكرد.
والذي سقط هو مشروع أو صيغة سياسية، وليس حق شعب في أن يكون شريكًا كاملًا في صناعة مستقبل بلاده.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو العودة إلى الفتنة.
لقد حان الوقت لأن نقرأ العالم قبل أن يقرأنا العالم، وأن نفهم مصالح الآخرين قبل أن نطلب منهم فهم مصالحنا، وأن نبني قوتنا السياسية قبل أن نبحث عن قوة الآخرين.
فالقضية الكردية لن تنتصر بكثرة الشعارات، ولا بكثرة الخصومات، ولا بكثرة الاتهامات.
ستنتصر يوم يصبح للكرد عقل سياسي يعرف متى يقاوم، ومتى يتفاوض، ومتى يتحالف، ومتى يختلف، ومتى يتنازل عن الشكل كي يحمي الجوهر، ومتى يقول للعالم كله: نحن جزء من هذه الدولة، لكننا لن نكون مرة أخرى جزءًا من إنكار أنفسنا.
هذه هي المعركة الحقيقية التي تبدأ الآن.