محمد صالح شلال
شهد الشرق الأوسط منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٥ تحولات عميقة تجاوزت في نتائجها حدود الحرب في غزة، وأعادت ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية، ووضعت العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تبدو حتى وقت قريب ثابتة ومستقرة أمام اختبار وجودي. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس لم تبقَ محصورة في قطاع غزة، وإنما تحولت تدريجياً إلى مواجهة أوسع طالت شبكة القوى المرتبطة بإيران في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى الفصائل المسلحة في العراق وسوريا واليمن، وصولاً إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران. وفي موازاة ذلك، تراجعت قدرة طهران على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية بالشكل الذي كانت عليه خلال السنوات السابقة. وكان سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ٢٠٢٤ أحد أبرز التحولات في هذه المعادلة. فقد تمكنت فصائل المعارضة من الوصول إلى دمشق خلال أيام، منهية حكماً عائلياً استمر نحو خمسة عقود. ولم يكن سقوط الأسد مجرد تغيير في رأس السلطة السورية، بل كان، من منظور التوازنات الإقليمية، ضربة كبيرة لأحد أهم ممرات النفوذ الإيراني الممتدة من طهران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. وهكذا دخلت المنطقة مرحلة جديدة لم تعد فيها المعادلات السابقة قادرة على الاستمرار بالآليات ذاتها.
في هذه البيئة المتغيرة، وجدت تركيا نفسها أمام مجموعة من التحديات والفرص في آن واحد. فأنقرة لم تكن تنظر إلى التطورات السورية والإيرانية من زاوية التوازن الإقليمي فقط، وإنما كانت تضع في صلب حساباتها المسألة الكوردية، باعتبارها قضية ذات انعكاسات مباشرة على أمنها القومي ووحدتها السياسية والجغرافية. ومن هنا يمكن فهم جزء مهم من السياسة التركية خلال المرحلة الأخيرة: فتركيا تريد من جهة أن تكون لاعباً أساسياً في سوريا الجديدة، وأن تحافظ من جهة أخرى على أمنها الحدودي، وتمنع قيام نموذج سياسي ترى أنه قد ينعكس على وضعها الداخلي. وقد تزامن ذلك مع تحول مهم في السياسة الداخلية التركية نفسها، تمثل في المسار الذي أطلقه دولت بخجلي ورجب طيب أردوغان، والذي دخل فيه زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان بصورة مباشرة من خلال دعوته إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل الحزب. وفي أيار ٢٠٢٥ أعلن حزب العمال إنهاء نشاطه المسلح، قبل أن يقر البرلمان التركي في آب ٢٠٢٦ قانوناً يوفر إطاراً قانونياً لعملية التفكيك وإعادة الإدماج. وقد وصفته الحكومة التركية بأنه جزء من مشروع «تركيا بلا إرهاب». وأرادت أنقرة نقل مرتكزات هذه المقاربة إلى الساحة الكوردية السورية.
بعد سقوط النظام السابق، دخلت سوريا مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. وكان السؤال المركزي أمام السلطة الجديدة هو كيفية إعادة بناء دولة موحدة بعد سنوات الحرب والانقسام وتعدد مراكز القوى. وفي هذا السياق، جاء اتفاق ١٠ آذار ٢٠٢٥ بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، وبالإشارة إلى أن المجتمع الكوردي مجتمع أصيل في الدولة السورية لالتفاف على الحقوق المشروعة للشعب الكوردي واستبعاد الممثلين الشرعيين للشعب الكوردي عن دائرة التفاوض.
ففي ٢٥ آب ٢٠٢٦ أعلنت قوات سوريا الديمقراطية إنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة ضمن عملية دمجها في الجيش السوري. ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الموقف التركي والدولي. فالولايات المتحدة، التي دعمت قوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضد تنظيم داعش، أصبحت أكثر وضوحاً في رفض أي مشروع خارج ما رسم له في سوريا وكان المبعوث الأميركي توم باراك صريحاً في ربط الملف العسكري لقسد بالمسألة التركية وبمستقبل العلاقات بين أنقرة ودمشق وواشنطن.
القضية الكوردية في سوريا ليست قضية قوات سوريا الديمقراطية، وليست قضية الإدارة الذاتية، وليست قضية السلاح والأمن وحدهما. إنها قبل كل شيء قضية شعب له هوية قومية ولغوية وثقافية، له حقوق سياسية ودستورية تراكمت نتيجة عقود من السياسات التمييزية. ومن هنا فإن اختزال القضية الكوردية في مسألة دمج قوات عسكرية أو إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية يمثل خطراً حقيقياً لأنه ينقل القضية من إطارها الوطني والحقوقي إلى إطار أمني محض. وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه المجلس الوطني الكوردي في سوريا. فالمجلس، منذ بدايات الثورة السورية، اختار الانخراط في المعارضة السورية الوطنية، وحاول تقديم القضية الكوردية بوصفها جزءاً من القضية السورية العامة، لا مشروعاً منفصلاً عنها. وبعد سقوط نظام بشار كان مؤتمر وحدة الصف والموقف الكوردي الذي عقد في قامشلو في ٢٦ نيسان ٢٠٢٥ محطة مهمة في هذا السياق، إذ جمع أكثر من ٤٠٠ شخصية وممثل عن قوى سياسية ومجتمعية كوردية، وهدف إلى صياغة رؤية سياسية كوردية مشتركة، وانتهى إلى الاتفاق على تشكيل وفد كوردي موحد للتفاوض مع دمشق. وكانت أهمية المؤتمر تكمن في أنه حاول نقل القضية الكوردية من حالة الانقسام السياسي إلى حالة الشراكة الوطنية في صناعة القرار. وهنا تكمن المفارقة. ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الكوردية المختلفة تحاول صياغة رؤية سياسية مشتركة، استمرت المفاوضات بين قيادة قسد ودمشق في مسار منفصل، على أساس أن التفاوض يتعلق بصورة أساسية بالجانب العسكري والإداري. لكن التجربة أثبتت أن الفصل بين العسكري والسياسي في الحالة الكوردية السورية ليس أمراً سهلاً. فحين يجري التفاوض على شكل الإدارة، وعلى مستقبل القوات، وعلى علاقة المنطقة بالدولة المركزية، وعلى الدستور، وعلى الحقوق الثقافية واللغوية، فإننا لا نتحدث فقط عن قضية عسكرية، وإنما عن مستقبل شعب وموقعه داخل الدولة السورية الجديدة. ومن هنا فإن تجاوز الرؤية السياسية الكوردية المشتركة، أو التعامل معها باعتبارها مجرد وثيقة سياسية غير ملزمة، أدى إلى إضعاف الموقف الكوردي الجماعي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
في هذا السياق، لا بد من التوقف بإيجابية عند المرسوم الرئاسي رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦. فالمرسوم يمثل، بلا شك، تطوراً مهماً في التعاطي الرسمي السوري مع القضية الكوردية. لكن في الوقت نفسه، من الخطأ اعتبارها نهاية القضية الكوردية أو بديلاً عن الحل الدستوري الشامل. فالاعتراف الثقافي واللغوي، مهما كانت أهميته، لا يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بالشراكة السياسية، والتمثيل، والإدارة المحلية اللامركزية، وإعادة بناء المناطق المتضررة، والعدالة الانتقالية، وإزالة آثار السياسات التمييزية السابقة، وضمان عدم عودة تلك السياسات في المستقبل. كما أن الاعتراف بالكوردية “لغة وطنية” يختلف قانونياً وسياسياً عن جعلها لغة رسمية للدولة أو ضمان استخدامها في المؤسسات والإدارات والمجال العام في المناطق ذات الغالبية الكوردية. وعليه، فإن المرسوم ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لا نقطة وصول.
إن التحدي أمام الحركة السياسية الكوردية اليوم هو الانتقال من منطق الدفاع عن الموجود إلى منطق بناء الحقوق المستقبلية. لقد انتهت مرحلة كان فيها النظام السابق قادراً على استخدام القوانين الاستثنائية وسياسات التعريب والإحصاء الاستثنائي والحزام العربي وغير ذلك من الإجراءات لإضعاف الوجود القومي الكوردي. في هذه المرحلة تحديداً، لا يكفي أن ينتظر المجلس الوطني الكوردي ما ستؤول إليه المفاوضات بين دمشق وقسد. فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون معركة على من يمثل الكورد عسكرياً، وإنما على من يمثل الحقوق والمصالح السياسية والقومية والمدنية للشعب الكوردي في سوريا الجديدة. وهنا يستطيع المجلس الوطني الكوردي أن يقدم نفسه بوصفه قوة سياسية وطنية سورية، وفي الوقت نفسه حاملة للمطالب القومية المشروعة للكورد.
إن سوريا الجديدة لا ينبغي أن تكون مجرد سوريا بلا الأسد؛ بل يجب أن تكون سوريا بلا سياسات الإقصاء التي أنتجها نظام الأسد. وإذا كانت الدولة السورية الجديدة تريد فعلاً بناء دولة موحدة ومستقرة، فإن أفضل طريق إلى هذه الوحدة ليس إنكار القضية الكوردية، وإنما حلها حلاً دستورياً عادلاً، وتحويل الكورد من «مشكلة أمنية» إلى شريك كامل في بناء الدولة السورية الجديدة. وهنا تحديداً تكمن المسؤولية التاريخية للمجلس الوطني الكوردي: أن يحافظ على البوصلة الوطنية السورية، وأن يصون في الوقت نفسه الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، وأن يعمل مع جميع القوى الكوردية على إنتاج موقف سياسي موحد، وأن يستثمر الانفتاح الذي أظهرته دمشق في بعض الملفات، من أجل الوصول إلى اعتراف دستوري دائم بالحقوق الكوردية، ومعالجة آثار عقود التمييز والتغيير الديمغرافي، وبناء عقد وطني سوري جديد يقوم على المواطنة المتساوية والتعددية والشراكة والعدالة.
=========
صحيفة كوردستان = العدد (783 )