القادة البارزانيون أنقذوا كورد سوريا من السياسات الخاطئة والمؤامرات الإقليمية والدولية..

عبد الرحمن حبش
منذ اندلاع الثورة السورية، برز الدور التاريخي لإقليم كوردستان، وبشكل خاص للرئيس مسعود بارزاني، في مساندة الشعب الكوردي في سوريا والوقوف إلى جانب حركته السياسية، في مرحلة كانت فيها الساحة السورية تشهد تحولات سياسية وأمنية عميقة، وتتعاظم فيها المخاطر والتحديات أمام الشعب الكوردي.
ولم تقتصر مواقف قيادة إقليم كوردستان على الجانب السياسي، بل شملت ايضا تقديم الدعم والمساعدات الإنسانية للشعب الكوردي السوري، ولا سيما للنازحين والمهجرين الذين اضطروا إلى ترك مناطقهم نتيجة الحرب والعنف والظروف الإنسانية الصعبة. وقد شكل إقليم كوردستان ملاذا آمنا للكثير من أبناء كورد سوريا، وفتح أبوابه أمامهم في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها المنطقة..
ومنذ البدايات، أدرك الرئيس مسعود بارزاني أن قوة الكورد في سوريا لا يمكن أن تتحقق من خلال تعدد الأحزاب والانقسامات، وإنما من خلال وحدة الصف والموقف السياسي المشترك. ولذلك بذلت قيادة إقليم كوردستان جهودا كبيرة لجمع الأحزاب والقوى السياسية الكوردية السورية على طاولة واحدة، والدفع باتجاه توحيد الرؤية والموقف، بما يخدم القضية الكوردية ويعزز حضورها في أي عملية سياسية تتعلق بمستقبل سوريا.
غير أن هذه الجهود اصطدمت، للأسف، بواقع سياسي داخلي اتسم بكثرة الانقسامات والانشقاقات والصراعات والنزاعات بين القوى والأحزاب الكوردية السورية. وبدلا من أن تتحول وحدة الصف إلى مشروع سياسي استراتيجي، ظلت الخلافات الحزبية والمصالح الضيقة حاضرة، الأمر الذي أضعف الموقف الكوردي وأفقده الكثير من الفرص التاريخية..
كما لعبت قيادة إقليم كوردستان، وخاصة الرئيس مسعود بارزاني، دورا بارزا في فتح القنوات السياسية والدبلوماسية أمام ممثلي الحركة السياسية الكوردية في سوريا، وساهمت في إيصال صوتهم إلى دوائر إقليمية ودولية، والتعريف بالقضية الكوردية السورية وحقوق الشعب الكوردي المشروعة أمام الرأي العام الدولي. وقد كانت هذه المساحة السياسية والدبلوماسية فرصة تاريخية نادرة للحركة السياسية الكوردية في سوريا كي تقدم نفسها كقوة سياسية موحدة ومسؤولة وقادرة على المشاركة في رسم مستقبل البلاد.
لكن المؤسف أن جزءا كبيرا من هذه الفرص لم يستثمر بالشكل المطلوب. فقد غلبت في مراحل عديدة المصالح الحزبية والشخصية والحسابات الضيقة على المصلحة القومية والوطنية العامة، واستمرت الخلافات والصراعات، حتى أصبحت القضية الكوردية في سوريا تدفع ثمن الانقسام أكثر مما تستفيد من الفرص التي أتاحتها الظروف الإقليمية والدولية.
إن الحديث عن دور القادة البارزانيين تجاه كورد سوريا ليس حديثا عن مواقف عابرة أو مساعدات مؤقتة، بل عن رؤية سياسية امتدت لسنوات، قامت على حماية الشعب الكوردي، ودعم حقوقه المشروعة، وتشجيع وحدته السياسية، ومنع تحويل قضيته إلى ورقة في صراعات إقليمية ودولية لا تخدم مصالحه.
لقد حاول القادة البارزانيون، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني، أن يحافظوا على القضية الكوردية السورية من الانزلاق إلى مشاريع الآخرين، وأن يمنحوا القوى السياسية الكوردية فرصة الظهور كطرف سياسي موحد يمتلك مشروعا واضحا لسوريا المستقبل. لكن مسؤولية استثمار هذه الفرص كانت، ولا تزال، تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحركة السياسية الكوردية السورية نفسها.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من التجربة، أصبح من الضروري أن تجري القوى السياسية الكوردية في سوريا مراجعة سياسية جادة وشجاعة، بعيدا عن لغة التخوين والمزايدات والحسابات الحزبية. فالمطلوب ليس البحث عن طرف لتحميله مسؤولية ما حدث، بقدر ما هو استخلاص الدروس من الماضي وبناء رؤية جديدة تقوم على وحدة الصف، واحترام التعددية، وتقديم المصلحة القومية والوطنية على المصالح الحزبية والشخصية.
إن الفرص السياسية لا تتكرر دائما، والتاريخ لا ينتظر المترددين والمنقسمين. وإذا كانت قيادة إقليم كوردستان قد فتحت أبوابها أمام كورد سوريا، سياسيا وإنسانيا ودبلوماسيا، فإن الوفاء لهذه المواقف لا يكون بالشعارات، وإنما بتحويلها إلى مشروع سياسي مسؤول يحافظ على وحدة الصف الكوردي، ويدافع عن حقوق الشعب الكوردي في سوريا، ويساهم في بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تضمن حقوق جميع مكوناتها.
لقد أثبتت التجربة أن قوة الكورد لا تكمن فقط في الدعم الخارجي، مهما كان مهما، وإنما في قدرتهم على توحيد قرارهم السياسي واستثمار علاقاتهم الإقليمية والدولية بصورة صحيحة. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الحركة السياسية الكوردية في سوريا أن تستعيد ثقة شعبها، وأن تتعلم من أخطائها، وأن تجعل من وحدة الصف الكوردي أولوية لا تقبل المساومة.
فالتاريخ سينصف من وقف إلى جانب كورد سوريا في أصعب مراحلهم، كما سيحاسب من أضاع الفرص بسبب الانقسام والصراع. والمسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: أن نحول الدعم والمساندة التي قدمها القادة البارزانيون إلى قوة سياسية حقيقية، وأن نضع القضية الكوردية فوق الخلافات الحزبية، لأن مستقبل شعب بأكمله لا يجوز أن يبقى رهينة المصالح الضيقة والصراعات الداخلية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…

رامان يوسف Raman Yousef تفاجأ سكان الحسكة اليوم بدخول عشرات الآليات المحمّلة بعناصر من الأمن العام. الأرتال تتمركزت في معسكر الطلائع شرق المدينة ، بعد أن أخلته «قسد» قبل أسبوع، هو جزء من اتفاقية 29 كانون الثاني، التي تفاجئنكم تفاصيلها في كل مرة. ويبررها مراهقو الإدارة و اعلامييها . القوات الخاصة التي دخلت ، لا يكفي و هناك المزيد، ستُوكل…

محمد صالح شلال شهد الشرق الأوسط منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٥ تحولات عميقة تجاوزت في نتائجها حدود الحرب في غزة، وأعادت ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية، ووضعت العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تبدو حتى وقت قريب ثابتة ومستقرة أمام اختبار وجودي. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس لم تبقَ محصورة في…

محمد سعيد آلوجي إن كانت تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان قد سلّمت أمرها للحكومة المركزية المؤقتة في دمشق، وعلى رأسها قسد. بموجب اتفاقات الدمج الموقعة بين السيد مظلوم عبدي والحكومة السورية المؤقتة. بعد أن كانت قد بسطت سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية. لينحسر وجودها فيما بعد في أقل من نصف محافظة الحسكة، وذلك بعد فشلها في…