د. عدنان بوزان
أخي العزيز الدكتور سربست نبي المحترم
من الطبيعي أن يكون الإنسان المثقف وصاحب الفكر الحر أكثر عرضة للهجمات والاتهامات والطعنات، ولا سيما في مجتمع لم يترسخ فيه بعد الإيمان الحقيقي بثقافة الاختلاف والنقد. فصاحب الكلمة الحرة لا يحارب لأنه ضعيف بل لأن أفكاره تزعج العقول التي اعتادت الصمت وتكشف عجز من لا يملك القدرة على مواجهة الفكرة بالفكرة.
لذلك، فإن ما تعرضت له من هجمة شرسة ليس أمراً غريباً ولا استثنائياً. فالمثقف الحقيقي لا يعيش دائماً في منطقة التصفيق، ولا يقول دائماً ما يرغب الناس في سماعه، بل يقول أحياناً ما يجب أن يقال، حتى وإن كان ثمن ذلك العزلة أو التشويه أو الطعن.
أخي العزيز، رغم أننا لم نلتقِ يوماً وجهاً لوجه، فإنني عرفتك من خلال أفكارك وكتاباتك ومواقفك ودفاعك عن القضية الكوردية. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى المصافحة كي يعرف الآخر؛ أحياناً تصنع الأفكار معرفةً أعمق من كثير من اللقاءات.
ومن طبعي أن أقف إلى جانب كل إنسان مثقف مخلص من أبناء شعبنا يتعرض للظلم أو التشويه بسبب فكره. لا لأنني أؤمن بعصمة المثقف، ولا لأنني أوافق على كل ما يكتبه أو يقوله، بل لأنني أؤمن بأن الاختلاف يجب أن يبقى في دائرة الأفكار، وأن تواجه الحجة بالحجة، لا بالشتائم والتشهير والطعن في الكرامة.
وإن كان القلم هو السلاح الوحيد الذي أملكه، فسأدافع به عن حق أي مثقف في التفكير والتعبير، حتى عندما أختلف معه.
خلال الأيام الماضية وقفت مراقباً ولم أتدخل مباشرة ليس لعدم اهتمامي بما يحدث، بل لأنني رأيت من أبناء شعبنا من عرف كيف يدافع عنك وعن حقك في التعبير. لكنني، بعد كل ما جرى وصلت إلى قناعة واضحة: إن التضامن وحده لا يكفي.
نعم، يجب أن نتضامن معك اليوم، ومع أي مثقف مخلص يتعرض غداً لحملة مشابهة، لكن المشكلة أعمق من مجرد هجوم على شخص أو كاتب أو أكاديمي. المشكلة الحقيقية هي أننا في دائرة الثقافة ونعتبر أنفسنا كمثقفين، مطالبون بأن نسأل أنفسنا:
لماذا يستطيع الجهل أن يتحول بهذه السهولة إلى قوة اجتماعية؟ ولماذا يصبح المثقف، في كثير من الأحيان، هدفاً لأبناء شعبه قبل أن يكون هدفاً لخصومه؟
إن واجب المثقف الكوردي لا ينبغي أن يقتصر على الدفاع عن نفسه عند الهجوم، أو التضامن مع الآخرين بعد وقوع الضرر، بل يجب أن يمتد إلى معركة أعمق إن كان صادقاً ومخلصاً: رفع مستوى الوعي، وتعليم الناس الفرق بين النقد والإهانة، وبين الحقيقة والدعاية، وبين الحزب والقضية، وبين القائد والوطن.
أخي العزيز ..
أريد أن أكون صريحاً معك وأتمنى أن تتقبل نقدي بالروح ذاتها التي أدافع بها عن حقك في التعبير.
أعتقد أن خطابك كان موجهاً في جانب كبير منه إلى الطبقة المثقفة والنخبة الواعية، وربما هنا تكمن إحدى نقاط الضعف؛ لأن واقع مجتمعنا الكوردي أكثر تعقيداً من أن يختزل في دائرة المثقفين والنخب.
نحن، للأسف، نعيش أزمة وعي سياسية عميقة.
وأقول ذلك من باب الألم لا من باب الإساءة إلى شعبنا. فما زالت قطاعات واسعة من مجتمعنا تتعامل مع السياسة بعقلية التصفيق لا بعقلية السؤال؛ تصفق للقائد لأنها اعتادت التصفيق، وتدافع عن الحزب لأنها تنتمي إليه، وتهاجم كل من ينتقده لأنها لم تتعلم بعد أن القضية أكبر من جميع الأحزاب.
وهنا تكمن إحدى أخطر أزماتنا:
لقد اختلطت القضية بالحزب، والوطن بالقائد، والنقد بالخيانة، والاختلاف بالعداء.
كثيرون لا يدركون الفرق بين الحزبوية والقضية القومية.
الحزب وسيلة، أما القضية فهي أكبر من كل الوسائل.
السياسي يصيب ويخطئ، أما الوطن فلا ينبغي أن يصبح ملكاً للسياسي.
والقائد يأتي ويذهب، أما الشعب فيبقى.
لكننا، في كثير من الأحيان، قلبنا هذه المعادلة؛ فأصبح بعض الناس يدافعون عن الأشخاص أكثر مما يدافعون عن المبادئ، ويحرسون الأحزاب أكثر مما يسألون عن مصير القضية، ويعتبرون نقد السياسي خيانة، حتى عندما يكون النقد دفاعاً عن الشعب نفسه.
ولهذا لا ينبغي أن نستغرب هذه الحملات.
اليوم تتعرض أنت للهجوم، وغداً سيتعرض غيرك، وبعد غد ربما أتعرض أنا أو أي مثقف آخر يقرر أن يخرج من دائرة القطيع و التصفيق ويقول كلمة مختلفة.
لأن المشكلة ليست في الدكتور سربست نبي وحده، ولا في شخص بعينه. المشكلة في البيئة التي تجعل المثقف عدواً عندما يسأل، والسياسي بطلاً حتى عندما يفشل، والحزب مقدساً، بينما تبقى القضية نفسها في آخر الاهتمامات.
ولهذا، يا عزيزي الدكتور .. ربما دافعت وسأدافع عنك بطريقة مختلفة.
لن أكتفي بالقول إن الدكتور سربست نبي تعرض للظلم، ولن أطالب الناس بالتضامن معه فحسب، لأن التضامن، على أهميته، لا يعالج جذور المشكلة.
أنا أريد أن أقول لشعبنا:
تعلموا أن تسألوا. تعلموا أن تختلفوا دون أن تكرهوا. تعلموا أن تنتقدوا دون أن تشتموا. تعلموا أن السياسي ليس نبياً، وأن القائد ليس مقدساً، وأن الحزب ليس الوطن. تعلموا أن القضية الكوردية أكبر من القيادات والأحزاب والأشخاص.
إننا بحاجة إلى ثورة في الوعي قبل أن نتحدث عن أي ثورة أخرى. بحاجة إلى إنسان كوردي يعرف لماذا يناضل، لا إلى إنسان يصفق لمن يطلب منه التصفيق. بحاجة إلى جيل يسأل السياسي: ماذا قدمت للقضية؟ بدلاً من أن يسأل الآخرين: لماذا انتقدتم القائد؟ وبحاجة إلى المثقفين المخلصين ويحملون أفكارهم إلى المجتمع، إلى الشباب، وإلى الجيل القادم؛ لأن معركتنا ليست فقط مع خصوم القضية، بل أيضاً مع الجهل الذي يسكن داخلنا.
أخي العزيز الدكتور سربست نبي
قد نختلف في بعض الأفكار اليوم أو غداً، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن اختلافنا يجب ألا يمنعنا من الدفاع عن حق بعضنا في التفكير والكلام والنقد.
أنا أدافع عنك اليوم لا لأضعك فوق النقد، بل لأدافع عن مبدأ أكبر منك ومني:
أن يبقى للمثقف حق الكلام دون أن تتحول الكلمة إلى تهمة، وأن يبقى للاختلاف مكان دون أن يتحول إلى حرب، وأن ندرك أخيراً أن القضية لا تبنى بالتصفيق، بل بالوعي.
وربما تكون هذه هي طريقتي المختلفة في الدفاع عنك: أن أحول ما حدث لك من قضية شخص إلى سؤال عام.
فالمشكلة ليست في الذين هاجموك وحدهم، بل في الثقافة التي سمحت للهجوم أن يصبح بديلاً عن الحوار، وللتشهير أن يصبح بديلاً عن النقد، وللصراخ أن يصبح بديلاً عن الفكر.
إن مسؤوليتنا، نحن الذين نكتب ونتحدث ونحمل هم الثقافة والقضية، ليست أن ندافع عن بعضنا فقط عندما نتعرض للطعن، بل أن نعمل من أجل مجتمع أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المثقف والمأجور، وبين النقد والخيانة، وبين الحزب والقضية.
فالقضية الكوردية لن يحميها التصفيق، ولن ينقذها تقديس الأشخاص، ولن يبني مستقبلها إلا شعب واعٍ يعرف أن الوطن أكبر من الحزب، وأن الحقيقة أكبر من القائد، وأن الكرامة تبدأ عندما يتعلم الإنسان أن يفكر بعقله.
كل التضامن معك، أخي العزيز، ومع كل قلم حر، وكل مثقف شريف، وكل إنسان يدفع ثمن كلمته دفاعاً عن الحقيقة.
أخوك
د. عدنان بوزان