لاوين ابراهيم
ثمة تحول واضح في المزاج السياسي والاجتماعي الكردي مع التطورات التي تحيط بالمرحلة الجديدة التي دخلتها تجربة حزب العمال الكردستاني، وما رافقها من تحولات في تركيا وانعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الواقع الكردي في سوريا. ولعل أكثر ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط ما يجري بين القوى السياسية والدول، بل ما يحدث داخل المجتمع نفسه: تراجع حاجز الخوف، وعودة ملفات الماضي إلى الواجهة، وارتفاع أصوات كانت في السابق مؤيدة للحزب أو قريبة منه، ثم بدأت اليوم تراجع مواقفها وتتحدث عما تراه حقيقة وواقعاً.
هذا التحول لم يمر بهدوء. فقد واجه بعض هؤلاء المثقفين والكتاب حملات من التخوين والتهديد والتشهير من أنصار الحزب وبعض الأصوات المرتبطة ببيئته السياسية، في وقت وجدت فيه مواقفهم الجديدة تأييداً متزايداً من قطاعات واسعة من المثقفين والرأي العام الكردي، ولا سيما ممن كانوا ينتقدون سياسة الحزب في السابق. ومن هنا بدأ صراع إعلامي أخذ معه إلى الواجهة مقالات وتصريحات ووثائق وتقارير قديمة، وأعاد فتح أمور كانت في السابق محدودة التداول أو يصعب الحديث عنها.
ولا يمكن وضع كل ما يجري في خانة واحدة. فهناك رغبة حقيقية في معرفة الحقيقة ومراجعة مرحلة طويلة، وهناك أيضاً من يحاول استثمار اللحظة لتصفية حسابات قديمة. وهذه طبيعة اللحظات التي تنتهي فيها مرحلة سياسية طويلة؛ إذ تعود الذاكرة إلى السطح، ويبدأ المجتمع في استعادة ما كان يصعب قوله في زمن الخوف.
من هذه الزاوية، فإن تراجع الخوف وازدياد مساحة النقد ظاهرة صحية. فلا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا ظل أسير الخوف من حزب أو قيادة أو جماعة سياسية، ولا يمكن بناء حياة سياسية سليمة إذا كان الاختلاف يُعامل بوصفه خيانة. من حق الكورد أن يراجعوا تجربة حزب العمال الكردستاني، وأن يناقشوا قرارات قياداته ونتائج عقود الصراع والخسائر التي لحقت بالمجتمع والفرص السياسية التي ضاعت.
لكن هنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيراً ما اختلطا: القضية الكردية من جهة، والمشروع السياسي والأيديولوجي لحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. فالقضية الكردية لم تبدأ مع الحزب، وليست ملكاً له، ولا تنتهي بانتهاء تجربته. أما الحزب فقد حمل مشروعاً أيديولوجياً وسياسياً خاصاً، تطورت مفاهيمه وشعاراته عبر مراحل مختلفة، وكان مفهوم «الأمة الديمقراطية» أحد أبرز عناوينه في مراحل لاحقة.
والمشكلة لم تكن في حق الحزب في اختيار مشروعه الفكري والسياسي، وإنما في أن هذا المشروع قُدِّم في مراحل عديدة بوصفه بديلاً عن المطالب القومية والسياسية المباشرة للكورد. ومن هنا يفرض الواقع الجديد سؤالاً ضرورياً: إلى أي حد خدم المشروع الذي حمله الحزب مصالح الكورد فعلاً، وإلى أي حد أصبحت القضية الكردية جزءاً من مشروع أوسع يتجاوز حدود مصالحهم وخصوصية أوضاعهم في كل بلد؟
وهذا لا يلغي التضحيات التي قدمها أفراد وقوى كردية خلال سنوات الصراع، ولا ينكر التأثير الذي تركته التجربة في الوعي الكردي، لكنه يفتح الباب أمام مراجعة ضرورية: هل كان الكورد أصحاب قرار في مشروعهم، أم وجدوا أنفسهم في مراحل عديدة جزءاً من صراعات ومشاريع تجاوزت مصالحهم المباشرة؟
وفي قلب هذه المراجعة تبرز قضية المثقفين والكتاب الذين كانوا في السابق مؤيدين للحزب أو قريبين من خطابه، ثم تغيرت مواقفهم وأصبحوا أكثر نقداً له. تغيير الموقف ليس جريمة، والمراجعة ليست خيانة، ولا يجوز أن تتحول المواقف السابقة إلى ذريعة لتهديد أصحابها أو التشهير بهم. فمن حق الإنسان أن يعيد النظر في قناعاته، خصوصاً عندما تتغير الظروف أو تتكشف له حقائق لم يكن يراها من قبل.
وقد كان لظهور هذه الأصوات أثر واضح في اتساع النقاش؛ إذ وجد أصحاب المواقف الجديدة دعماً من مثقفين وكتاب كانوا ينتقدون الحزب منذ البداية. ومن هنا أخذ الصراع الإعلامي شكلاً أكثر حدة، وبدأت إعادة نشر أرشيف واسع من المقالات والتصريحات والتقارير، وظهرت إلى العلن أمور كانت في السابق محدودة التداول أو يصعب الحديث عنها.
لكن هذه اللحظة تحتاج إلى تمييز أيضاً. فليس كل ما يعاد نشره حقيقة لمجرد أنه قديم، كما أن كل نقد سابق للحزب لا يصبح صحيحاً تلقائياً بسبب التطورات الجديدة. الوثيقة تحتاج إلى تحقق وسياق، والحقيقة تحتاج إلى أدلة، والمساءلة لا ينبغي أن تتحول إلى تشهير.
أما إذا كانت هناك وقائع تتعلق بانتهاكات أو جرائم، فإن مكانها الطبيعي هو التوثيق والتحقيق والمؤسسات القانونية المختصة، لا وسائل التواصل الاجتماعي. فالمحاسبة الحقيقية تقوم على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، لا على التحريض والانتقام.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القوى السياسية الكردية، ولا سيما القوى التي ستتعامل مع الإرث السياسي والتنظيمي للمرحلة السابقة. فمسؤوليتها لا تقتصر على إعادة ترتيب مواقعها وعلاقاتها، بل تشمل أيضاً توجيه جمهورها نحو ثقافة سياسية جديدة. ليس من الحكمة أن تتحول نهاية مرحلة إلى مناسبة للتشفي والانتقام، أو أن يُدفع الجمهور إلى تخوين من يراجع موقفه أو يختلف في الرأي.
على هذه القوى أن تكون واضحة مع جمهورها: المطلوب معرفة الحقيقة لا الانتقام، ومراجعة الماضي لا تصفية الحسابات. وعليها أن تشجع التوثيق والنقاش المسؤول، وأن ترفض التهديد والتحريض والتشهير، وأن تترك المسؤولية القانونية للمؤسسات المختصة. فالقوى التي تريد أن تكون جزءاً من المرحلة الجديدة مطالبة بمساعدة جمهورها على الانتقال من الولاء للأشخاص والتنظيمات إلى منطق السياسة والمؤسسات.
وهذا الأمر مهم بصورة خاصة للكورد في سوريا. فالتحولات التي تطال علاقة حزب العمال الكردستاني بتركيا، وما يرافقها من إعادة ترتيب للمشهد الكردي السوري وعلاقته بدمشق، تفرض إعادة التفكير في طبيعة المشروع السياسي الكردي داخل سوريا. المطلوب ليس إنكار الروابط التي تشكلت خلال السنوات الماضية، ولا تجاهل الأدوار التي لعبتها القوى الكردية في ظروف صعبة، وإنما بناء قرار سياسي كردي سوري أكثر ارتباطاً بواقع البلاد ومصالح الكورد وحقوقهم فيها.
وهنا تصبح المراجعة أكثر من نقاش حول الماضي؛ تصبح شرطاً لبناء المستقبل. فالقضية الكردية تحتاج إلى مشروع سياسي نابع من واقع الكورد أنفسهم، وإلى تعدد في الرؤى والتنظيمات، وإلى قدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن التبعية لأي مركز سياسي أو أيديولوجي.
لقد سقط جزء من حاجز الخوف، وهذه خطوة مهمة. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل نستطيع استخدام هذه المساحة الجديدة من الحرية لقول الحقيقة، أم سنستبدل خوف الأمس بتشهير اليوم؟
إذا نجح الكورد في تحويل هذه اللحظة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة، فقد تكون بداية لمرحلة سياسية أكثر نضجاً واستقلالاً، خصوصاً في سوريا. أما إذا تحولت إلى تصفية حسابات بين أنصار الأمس وخصوم اليوم، فلن نكون قد تجاوزنا ثقافة الماضي، بل سنكون قد نقلناها إلى فضاء جديد وبأدوات جديدة.
المطلوب ليس الصمت، ولا النسيان، ولا الانتقام؛ بل أن نتكلم ونتذكر ونراجع ونحاسب، ولكن بقدر من المسؤولية يجعل الحقيقة أكبر من الأشخاص، والقضية أكبر من الأحزاب، والمستقبل أهم من تصفية حسابات الماضي.
فحين يسقط الخوف، لا ينبغي أن تبدأ محكمة التشهير؛ ينبغي أن تبدأ مرحلة الحقيقة.