ما هو البديل؟ عن أوهام الهدم ومسؤولية البناء السياسي

عبد الكريم ساروخان
لم تعد المعركة في شمال وشرق سوريا تدار فقط على الجبهات وسواحل المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف والحواسيب؛ ساحات افتراضية خاض من خلالها البعض حرباً لا تقل خطورة عن حرب الرصاص. فبعد أن دفعت التضحيات والدماء أعتى القوى للجلوس إلى طاولة التفاوض والاعتراف بالواقع السياسي والكردي، ظهرت أصوات تسعى إلى تفريغ هذه المكتسبات من مضمونها وتحويل الإنجازات إلى إخفاقات في نظر الشارع.
إن الذهاب إلى طاولة السياسة ليس علامة ضعف، بل هو النتيجة الطبيعية لصمود القوة الميدانية والدفاع عن الأرض. لا أحد يفاوض طرفاً مهزوماً، والتفاوض بحد ذاته إقرار بوجود قضية وواقع لا يمكن التغاضي عنه. لكن المفارقة تكمن في ظهور فئة طارئة على العمل السياسي، تكتفي بالتخوين والهدم وتشويه الرموز دون تقديم أي مشروع بديل، متناسية أن الطريق إلى هذه المرحلة لم يُبدَّد بالأقلام أو الشعارات البراقة، بل بدماء آلاف الشهداء.
هناك فارق جوهري بين النقد السياسي البنّاء وبين الإهانة والتجريح. من حق أي مواطن أو مثقف أن يختلف مع قرارات الإدارة الذاتية، أو يحلل التفاهمات التفاوضية، أو يطرح رؤية مغايرة لميزان القوى الإقليمي والدولي. لكن مهاجمة من ضحى، والشماتة بالمكتسبات الوطنية، والتساوق مع أجنادات حاربت الوجود الكردي وساهمت في التغيير الديمغرافي كما حدث في عفرين، لا يمكن تصنيفه كمعارضة فكرية، بل هو هدم ممتلكات شعب ومستقبله.
المرحلة الحالية مصيرية وتتطلب وعياً استثنائياً من المثقف والسياسي على حد سواء. النقد المطلوب هو نقد التصحيح والتطوير، وليس نقد التشكيك والإحباط. لقد انتهت مرحلة السلاح وتبلورت مرحلة الحوار والتفاوض، وما عجز الأعداء عن تحقيقه عسكرياً يجب ألا نمنحهم إياه عبر تفكيك مجتمعنا من الداخل.
المكتسبات التي تحققت ليست ملكاً لحزب أو جهة بعينها، بل هي ملك للشعب الكردي بأكمله. والواجب التكتيكي والأخلاقي يقتضي الحفاظ عليها وتعزيزها بدلاً من الانجرار خلف صراعات جانبيّة ومزايدات رقمية. فلنختلف في السياسة كما نشاء، ولنطرح البدائل بشجاعة، لكن دون أن نسيء للتضحيات التي عبدت لنا الطريق نحو هذا الوجود السياسي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

لاوين ابراهيم ثمة تحول واضح في المزاج السياسي والاجتماعي الكردي مع التطورات التي تحيط بالمرحلة الجديدة التي دخلتها تجربة حزب العمال الكردستاني، وما رافقها من تحولات في تركيا وانعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الواقع الكردي في سوريا. ولعل أكثر ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط ما يجري بين القوى السياسية والدول، بل ما يحدث داخل المجتمع نفسه: تراجع حاجز…

أصدقائي وصديقاتي أبناء وبنات شعبنا المخلصين.. كم أشعر بالقوة الآن بدعمكم ومساندتكم لي أمام هذه الهجمة الإرهابية الوضيعة، التي لا يمكن أن تصدر إلا عن أوغاد مأجورين. لست خائفا من أحد ومن أية سلطة طالما وأنا محاط الآن بكل هذا الحب، بكل هذه الشجاعة منكم، سأظل وفياً لوعدي لشهداء روژاڤا طالما أنا حيّ، لن أسمح بالمتاجرة والمساومة على دمائهم بعد…

ريزان شيخموس منذ عدة أيام أتابع بقلق واستغراب الحملة الشعواء التي يتعرض لها الدكتور سربست نبي بسبب آرائه وانتقاداته السياسية. وأمام ما يُقال ويُنشر بحقه، أجد من واجبي الأخلاقي أن أعلن تضامني الواضح والصريح معه، دفاعاً عن حرية الرأي وحق الإنسان في السؤال والنقد والتعبير. قد لا أتبنى جميع مواقف الدكتور سربست نبي، لكنني أتفق معه في كثير من التساؤلات…

د. عدنان بوزان من الواضح أن ملفات الخيانة والإخفاق والصفقات التي جرت على حساب الشعب الكوردي في سوريا لن تغلق بجرة قلم، ولن تستطيع قسد وقياداتها دفنها خلف الشعارات والبيانات والخطابات عن «حماية الشعب» و«المكتسبات». فبعد عفرين، وبعد ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، ودير حافر ومنبج وسد تشرين، يفتح اليوم ملف آخر لا يقل خطورة: ملف محمد الجاسم،…