خوشناف سليمان
مقابلة مظلوم عبدي الأخيرة مع قناة «روداو» بدت في كثير من جوانبها أقرب إلى محاولة لتبرير الهزائم التي أوصلت الأوضاع الكردية في سوريا إلى مأزق مسدود، بدل تقديم مراجعة صريحة للقرارات والمسارات التي قادت إليه. وحين تُقدَم نتائج هذا المسار باعتبارها تعبيراً عن الواقعية السياسية، يصبح من الضروري التوقف عند حصيلته، وإجراء حساب للربح والخسارة، بعيداً عن لغة التبرير أو تسمية الهزيمة إنجازاً. فالقيادة الحكيمة لا تُقاس بما تقوله بعد وقوع الأزمات، بل بالقرارات التي تتخذها قبل وقوعها، وبقدرتها على حماية شعبها وأرضها بأقل الخسائر وتحقيق أفضل النتائج الممكنة. المشكلة لا تكمن في النتائج وحدها، وإنما في طبيعة المسار الذي أفضى إليها.
المشروع الذي حكم تجربة «الإدارة الذاتية» و«قسد» تشكّل في بيئة ارتبطت فكرياً وتنظيمياً بمنظومة حزب العمال الكردستاني ومرجعياتها، وأسهم ذلك في تحديد طبيعة المشروع وشعاراته وبنيته السياسية والفكرية. صحيح أن حزب العمال الكردستاني، عند تأسيسه، تبنى هدف إقامة دولة كردية مستقلة، لكنه تراجع عنه لاحقاً، وانتقل إلى أطروحات «الكونفدرالية الديمقراطية» والإدارة الذاتية وغيرها. ومع انتقال هذه الأفكار وتأثيرها في التجربة السورية، نشأ إشكال جوهري بين مشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة السورية وبين تطلعات الكرد في سوريا إلى حقوق قومية وسياسية واضحة. وإذا كان معيار الحكم على أي تجربة سياسية هو نتائجها، فإن الحصيلة تفرض أسئلة صعبة. فقد خسر الكرد عفرين وسري كانيه، وتعرضت مناطق كردية لموجات من النزوح والتهجير، فيما استنزفت المنطقة طاقاتها البشرية والاقتصادية، وغادر آلاف الشباب بحثاً عن الأمن والعمل ومستقبل أفضل.
وبعد كل هذه التضحيات، يُطرح اليوم الاندماج في الدولة السورية، مقابل مكاسب إدارية ولغوية وعسكرية محدودة، باعتباره تعبيراً عن «الواقعية السياسية»، كما تطرق إليه مظلوم عبدي في المقابلة. لكن من حق الناس أن يسألوا: ماذا تحقق فعلاً؟ وهل تتناسب هذه الحصيلة مع حجم التضحيات والخسائر؟ وهل كانت هذه هي النتيجة التي قُدِّمت كل تلك التضحيات من أجل الوصول إليها؟
هذه أسئلة مشروعة عن المسؤولية السياسية وجدوى المسار الذي اتُبع، والقرارات التي اتُخذت باسم الناس ومصيرهم. فمن غير المنطقي مطالبة المجتمع الكردي بقبول النتائج من دون مناقشة القرارات التي قادت إليها، ولا سيما أن مظلوم عبدي لا يملك تفويضاً شعبياً يخوله احتكار القرار الكردي أو التفاوض باسم الكرد جميعاً. فالكرد ليسوا «قسد»، ولا حزباً أو تنظيماً واحداً، والقضية الكردية أكبر من أي قيادة عسكرية أو سياسية. ولذلك فإن أي تفاوض يتعلق بمستقبلها يفترض تمثيلاً سياسياً أوسع ونقاشاً كردياً حقيقياً، لا اختزال مصير شعب كامل في تفاهمات تجريها جهة واحدة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر في ضوء التحولات التي طرأت على حزب العمال الكردستاني نفسه. فقد دعا عبد الله أوجلان في فبراير 2025 إلى حل الحزب وإلقاء السلاح، ثم أعلن الحزب في مايو من العام نفسه حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح. وبغض النظر عن الموقف من هذه الخطوة، فإنها تكشف حجم التحول الذي طرأ على المشروع خلال العقود الماضية: من الدعوة إلى الدولة القومية، إلى مشاريع بديلة عنها، ثم إلى إنهاء التنظيم والكفاح المسلح. ومن حق الأجيال الكردية الجديدة، بعيداً عن التقديس والولاء الشخصي، أن تسأل: هل كان هذا المسار يخدم القضية الكردية فعلاً، أم أنه انتهى تدريجياً إلى إضعاف مضمونها القومي وإخضاعها لمشروع أيديولوجي عابر للحدود، حتى وصل إلى الاندماج وفقدان الخصوصية السياسية؟ وليس الاعتراض هنا على السلام من حيث المبدأ؛ فالسلام الذي يحمي الناس ويضمن حقوقهم مكسب لا هزيمة. كما أن السياسة تفرض أحياناً قبول تسويات صعبة عندما تتغير موازين القوى. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التسوية إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح التخلي عن الأهداف السياسية ثمناً يُطلب من الشعب دفعه، ثم يُطلب منه اعتبار هذا التراجع «واقعية». فالواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للنتائج، وإنما قراءة موازين القوى والدفاع عن المصالح والحقوق، وعدم التفريط بجوهر القضية. وقد تفرض الواقعية تسوية مؤلمة، لكنها لا تفرض تزوير الحصيلة ولا تمنع مساءلة من اتخذ القرارات.
ومن هنا، كان الأجدر بمظلوم عبدي أن يقدم قراءة نقدية للتجربة، لا أن يكتفي بتسويق نتائجها باعتبارها الخيار الواقعي الوحيد؛ أن يعترف بالأخطاء، وأن يجيب بوضوح عن أسباب خسارة عفرين وسري كانيه، وعن أسباب النزوح والهجرة، وأن يوضح للشعب الكردي وعائلات الشهداء إلى أين قادت هذه التضحيات. فدماء الشهداء ليست ورقة تفاوض، ولا يجوز اختزالها في ألوية عسكرية أو مناصب سياسية أو وعود ورقية قد تتغير بتغير الظروف. واحترام التضحيات يعني امتلاك الشجاعة لمراجعتها، ومعرفة أين أصابت القيادة وأين أخطأت.
وفي النهاية، تبقى القضية الكردية أكبر من قنديل و«قسد» ومظلوم عبدي، وأكبر من حزب العمال الكردستاني وأي منظومة أيديولوجية عابرة للحدود. إنها قبل كل شيء قضية شعب له حقوق قومية وسياسية وتاريخية مشروعة، ولا يجوز اختزالها في تنظيم أو قائد أو مشروع أيديولوجي بعينه. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس تجميل الهزيمة ولا إعادة تدوير الشعارات القديمة، بل مراجعة التجربة بشجاعة، والتحرر من الوصاية الأيديولوجية، وفتح الطريق أمام مشروع كردي وطني مستقل، تعددي وديمقراطي، يضع مصلحة الشعب وحقوقه فوق مصالح التنظيمات وأجنداتها.
ومن هنا تبدأ الواقعية الحقيقية: في مواجهة الحقيقة كما هي، لا كما نريد لها أن تكون. فالواقعية لا تعني تسمية الخسارة انتصاراً، ولا تغيير النتائج كي تبدو أقل قسوة. بل هي أن نعترف بالفشل حين نفشل، ونفهم أسبابه، ونتعلم منه، ثم نمتلك الشجاعة لبناء طريق جديد .فتبرير الهزيمة لا يلغي الهزيمة؛ بل يضيف إليها هزيمة أخرى: هزيمة الاعتراف بالحقيقة.