هوشنك أوسي
لم يكمل الشاب مصطفى خليل عبدي تعليمه الجامعي في كلية الهندسة بجامعة حلب، والتحق بحزب العمال الكردستاني بشكل رسمي سنة 1988، هو وناصر حج منصور وزهات كوباني والعشرات من الطلبة الكرد في جامعتي حلب ودمشق، وتم إرسالهم إلى معسكر البقاع اللبناني التابع لحزب العمال، وأخضعوا لدورة تدريبية عسكرية – سياسية في العام نفسه. اختار لنفسه اسمًا حركيًّا هو شاهين، وعبر الحدود سنة 1990. تدرّج في المناصب داخل الحزب بسرعة رهيبة، ووصل إلى عضوية اللجنة المركزية للحزب، وعضوية القيادة العامة للجناح العسكري أيضًا. تدرّجه ذاك كان على أجساد رفاقه – رفاق السلاح – الذين قدّمهم هفال شاهين قرابينًا على مذبح ولائه للحزب وزعيمه أوجلان. ولأنّه من عبدة الحزب وزعيمه، تورّط في الكثير من الجرائم داخل الحزب، وسكت على الكثير من الجرائم أيضًا التي اقترفها الحزب بحق الكوادر الكردية السورية، ووافق على جرائم تصفية، ولم يعترض على جرائم تصفية أخرى، وسكت على جرائم تصفية مماثلة، واتخذ قرارات جرائم تصفية. وعليه، فالمناصب التي تقلّدها كانت على جثث وجماجم رفاقه.
في 26 أغسطس 1995، كان أوجلان في دمشق، تحت رعاية وحماية حافظ الأسد، ومن هناك أمر بهجوم كبير على بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتسبب في مقتل الآلاف. ذلك الهجوم الغادر قامت الجماعة الأوجلانية بتسميته “قفزة 15 آب الثانية”، على اعتبار أن قفزة 15 آب الأولى كانت ضد الجيش التركي سنة 1984. ذلك الهجوم اعترض عليه عضو اللجنة المركزية للعمال الكردستاني (م. أ. ح)، وهو كردي سوري، وكان المسؤول السياسي لكل تنظيمات الحزب الأوجلاني في كردستان العراق وقتذاك، وجاء إلى دمشق، ثم قدّم استقالته للحزب. الرجل ما يزال حيًّا يُرزق. لكن هفال شاهين جيلو شارك في الهجوم، وأصيب بجراح بليغة، ونجا من الموت بأعجوبة حين حافظ على صمته، صمت الموتى، صمت القبور. فعندما كانت قوات البيشمركة تتفقّد قتلى الحزب الأوجلاني، افتعل شاهين جيلو حالة الميّت (عمل حاله ميّت)، ونجا من الاعتقال أو القتل. لم تعرف قوّات البيشمركة أنه قيادي ميداني؛ لأن ملامح وجهه الطفولية وقتذاك كانت توحي بأنه مجرّد شاب مراهق يقاتل ضمن العمال الكردستاني، ولا يبلغ من العمر 28 عامًا.
بصعوبة بالغة أوصل نفسه إلى معسكرات رفاقه. جُلب إلى دمشق للتداوي. أثنى أوجلان عليه، وأخضعه لدورة تدريبية، ثم أوفده إلى أوروبا مسؤولًا عن التنظيم هناك. في أوروبا، قام شاهين جيلو بارتكاب جرائم تصفية بحق بعض المنشقين، وخطط لاغتيال سليم جوروكايا، وخطط لاغتيال دلبخوين دارا وزوجته السابقة هيفيدار زانا. ونجا كلاهما من مخططات الاغتيال تلك. كل ذلك بأوامر من أوجلان.
في المقابلة الأخيرة التي أجراها دلبخوين دارا معه، لم يذكر المذيع “الكبير الجهبذ” ماذا كان يقول هفال دلبخوين عن هفال شاهين وسروك أوجلان وحزب العمال أمام البوليس الألماني والهولندي. الذين ترجموا لدلبخوين دارا كلامه أمام البوليس ما يزالون أحياء. الذين عايشوا رعب وذعر دلبخوين ما يزالون أحياء، وسردوا لي بعض التفاصيل. الآن، دلبخوين يتعامل مع الجماعة الأوجلانية بتشفٍّ، وهذا حقّه. كانوا يريدون قتله. قالوا عنه خائن، هارب، اعتدى على شرف الحزب بخطفه هيفيدار زانا. الآن، نواف خليل ومظلوم عبدي بحاجة إلى دلبخوين، بسبب موقع ووظيفة الأخير في قناة روداو. يستقبلهم دلبخوين بفرح وفخر ونية تصفية حساب قديم، حين كانوا يصفونه بالخائن ويخططون لقتله. لو كان عاكف حسن مكان دلبخوين، لفتح معه الخابوجيون نفس قنوات الاتصال والارتباط التي فتحوها مع دلبخوين. قصة دلبخوين وهيفيدار، تراجيدية وكوميدية أيضًا… سنضعها جانبًا، ولنعد لسرد حكاية جنرال التفاهة.
حتى سنة 1999-2000، كان شاهين في أوروبا. مؤخرًا، وضمن الاتصالات المباشرة – عبر الهاتف – بين أوجلان ومظلوم عبدي، هدده أوجلان بفضح جرائمه في أوروبا إذا لم يمتثل لأمره. هذه تسريبات من أطراف داخل تنظيم الحزب في أوروبا. في ذلك الاجتماع – الاتصال المشترك – شتم أوجلان إلهام أحمد بلفظ أخجل من ذكره هنا. أوجلان لسانه زفر ووسخ، وهو شتّام كبير. شتم مقاتلي الحزب ووصفهم بـ”الحمير” على قناة MED TV، في منتصف التسعينيات. وفيديو شتائمه لدلبخوين دارا موجود.
حين تسمح أنقرة للصحافيين بزيارة أوجلان، لا تستغربوا أن يجري دلبخوين حوارًا معه، ليس حبًّا في أوجلان، بل لتصفية حساب قديم معه حين كان أوجلان يشتم ويهين ويهدد دلبخوين أمام رفاقه. انتقم دلبخوين لنفسه من أوجلان حين خطف إحدى الفتيات اللاتي اعتدى عليهن أوجلان. لكن ذلك الانتقام القديم لن يشفي غليله إلا بمقابلة كالتي أجراها مع مظلوم عبدي، والأخير سنة 1999 كان يخطط لخطف وقتل دلبخوين. ابتسامة دلبخوين مع مظلوم هي ابتسامة المنتقم المنتصر على من كان يخطط لقتله. ربما تجدون ابتسامة دلبوخينية صفراء مع اوجلان أيضا. لا تستبعدوا ذلك. لكن لو كنت مكان دلبخوين لبصقت في وجه اوجلان بعد الانتهاء من إجراء المقابلة.
عندما اندلعت الأحداث في سوريا سنة 2011، كان من المقرر إيفاد رستم جودي لتولّي مسؤولية إدارة التنظيم في سوريا. لكن نظام الأسد كان يرفض ذلك؛ لأن النظام نفسه رفض وجود رستم جودي في سوريا سنة 2001-2002، وهدد الأمن السوري باعتقاله أو قتله أمام جميل بايق ونظام الدين تاش في دمشق. زد على هذا وذاك، أن رستم جودي كان يكره نظام الأسد كره العمى، ويرفض أيّة تسوية مع هذا النظام. أنا التقيت برستم جودي في جبال قنديل في صيف 2007، وصارحني بكراهيته لنظام الأسد الأب والابن، وسرد بعض تفاصيل رفض نظام الأسد تولية أي كردي سوري منصب إدارة تنظيم PKK في سوريا. دائمًا كان نظام الأسد يفضّل بل يأمر أن يتولّى هذا المنصب الكوادر الغرباء: كرد تركيا بالدرجة الأولى.
قُتل رستم جودي في ظروف غامضة. إعلام الكردستاني اتهم الأتراك، لكن هيئة الأركان التركية والإعلام الرسمي التركي أعلنا تبنّي جريمة استهداف مواطن مدني كردي بسيط اسمه يوسف كولو، ولم يتبنَّ استهداف قيادي كبير من وزن رستم جودي مع أربعة من القيادات الأخرى؟! لماذا؟ الإجابة عند شاهين جيلو أو مظلوم عبدي.
بالنتيجة، فقد رستم جودي حياته. لم يبقَ أمام جميل بايق ومراد قره إيلان سوى القيادي المخلص والعبد الذليل هفال شاهين. بالفعل، تم تكليفه بمهمّة التنسيق مع نظام الأسد. وفي أحداث مختلفة، تمت إزالة أو تحييد أيّة شخصية محتملة يمكن أن تعترض طريق شاهين، كخبات ديريك، وحسين شاويش، وبولات إبراهيم من قامشلو… وآخرين. ومع ذلك، لم يكن شاهين مصدر ثقة جميل بايق. بعد ترتيبه الأوضاع مع المخابرات الجوية والعسكرية والسياسية التابعة لنظام الأسد، أرسل العمال الكردستاني الآلاف من الكوادر التركية. وأرسل العبد المخلص، وجنرال الوساخة الدوغمائية الدموية فهمان حسين (باهوز أردال)، وحدث تصادم بين الاثنين: شاهين وباهوز. هذان القياديان، ورغم كل سنوات العمل المشترك معًا ضمن العمال الكردستاني، لم يكن شاهين يستلطف باهوز. هذا الأخير كان مكروهًا على نطاق واسع بين الكوادر الكردية السورية، بسبب تزمته وعبوديته للحزب وتشبهه بالكوادر التركية وتقليده لهم كأنه من مواليد ديرسم او بينغول او دياربكر.
الثلاثي الأكثر تفاهمًا داخل العمال الكردستاني كان شاهين ورستم وناصر حاج منصور. الراحل رستم جودي صارحني بموقفه من باهوز، وكذلك فعل آخرون لن أذكر أسماءهم.
ناصر حج منصور كان على وشك التصفية سنة 2000-2001، وأصدر الحزب في حقه قرار الإعدام، وأودع السجن في انتظار تنفيذ الحكم، ونجا. لكن شاهين حافظ على صمته. قتل الحزب فايق صوفي تحت التعذيب، وحافظ شاهين على صمته. رستم جودي تعرّض لجريمة اغتيال غامضة لم يتبنَّها الأتراك، وشاهين محافظٌ على صمته. تمت تصفية خبات ديريك وبولات وحسين شاويش وجوان إبراهيم وفرهاد ديريك، والعشرات من الكوادر، بينما شاهين هو هو، لم يتغيّر، ما يزال هو نفسه الذي تصنّع حالة الموت في أغسطس 1995، وبقي محافظًا على صمته. هكذا اشترى نفسه ومناصبه بالصمت. جنرال التفاهة والصمت.
مظلوم عبدي مطّلع على أدقّ تفاصيل جرائم حزب العمال الكردستاني في سوريا من 2011 وحتى اللحظة، وقد اشترك في الكثير منها بشكل مباشر، واشترك في جرائم أخرى بشكل غير مباشر. من ضمن ذلك: جريمة خطف الضباط الكرد الذين انشقوا عن جيش الأسد، وتمت تصفيتهم. ناهيكم عن عمليات الخطف التي استهدفت النشطاء الكرد، كجميل أبو عادل، وأمير حامد، وآخرين. بينما خبات ديريك، الذي يُشتبه بتورطه بجريمة اغتيال مشعل التمو، تم التخلّص منه ودفن السرّ معه.
يطول الحديث عن تجربة جنرال التفاهة الأوجلانية، والعناصر المنشقة عن الحزب يعرفون ذلك. وآخرهم إسماعيل ديريك، الذي لجأ قبل سنة ونيّف إلى أوروبا، وكذلك بولات جان، وآخرين. هؤلاء هم صناديق سوداء تضم الكثير الكثير من تفاصيل الاغتيالات والسرقات والخطف والقتل تحت التعذيب التي ارتكبها العمال الكردستاني في سوريا من 2011 وحتى اللحظة، تحت سمع وبصر هفال مظلوم عبدي – شاهين جيلو.
جنرال التفاهة الأوجلانيّة، ومستشار الجولاني حاليًا، وربّما نائبه لاحقًا، لا يقلّ عنه الجولاني إرهابًا وإجرامًا بحق السوريين. صحيح أنه يحظى بدعم عربي وتركي وأمريكي وإسرائيلي، ودعم السيناتور الثقافي الكردي الكبيييير ، لكن حتى لو بُعث الله العشرة المبشّرون بالجنّة وبايعوا الجولاني، فهذا لن يغسل عنه عار قتله للشعب السوري في الساحل والسويداء والرقة والحسكة وإدلب. بنفس القدر، عارُ الإرهاب وجرائم الحرب التي تمرّغ في مستنقعها بشّار الأسد، كان يحظى بدعم إقليمي ودولي أيضًا. من دون أن ننسى أن صدام حسين أيضًا كان يحظى بدعم إقليمي وعربي ودولي في يوم من الأيام. الدعم الإقليمي والدولي لن يغسل عن الطغاة والإرهابيين عار ارتكابهم جرائم الحرب، سواء أكان الجولاني أم مستشاره الأوجلاني.
المضحك في المهزلة السورية أن جنرال التفاهة مظلوم عبدي لم يعلن استقالته من العمال الكردستاني، حتى بعد إعلان الحزب حلّ نفسه. الآن، مستشار الجولاني هو عضو في جماعة إرهابية تدعى PKK/KCK . الآن، إلهام أحمد عضو في برلمان الشرع، وهي عضو في نفس المنظمة الإرهابية. لا يمكن أن تجد مثيلًا لهذه الكوميديا إلا في المهزلة السورية فقط. إذن، نحن في سوريا إزاء تحالف جماعات وميليشيات إرهابية: سلفية جهادية وعلمانية – أوجلانية – خابوجية.
في العام المقبل، سيطفئ جنرال التفاهة شمعة عامه الستين، وقد بات شريكًا أصيلًا لنظام الجولاني بأمر من أوجلان الذي يتلقّى أوامره من الاستخبارات التركية. وأية جريمة اقترفها أو سيقترفها نظام الجولاني يتحمل مظلوم عبدي أيضا مسؤوليتها. الآن، موسى العمر وجميل الحسن… وغسان ياسين وغسان إبراهيم، وإبراهيم الجبين الكل أصبحوا زملاء هفال نواف خليل وهفال طارق حمو
أمضى شاهين قرابة أربعة عقود وهو يخدم الحزب الأوجلاني الذي وصف نفسه بالمنظمة الإرهابية في القانون الأخير الذي صادق عليه البرلمان التركي في 10 أغسطس 2026. ذلك القانون الذي شارك أوجلان نفسه في صياغته، ووقّع عليه رفاق مظلوم عبدي.
أريد أن يكون جنرال التفاهة على حق، وأنا على باطل. لذا، أتمنّى منكم مساعدتي في البحث داخل ملف تجربة هذا الجنرال عن أي شيء يفنّد هذا الماضي الأسود والدموي في كردستان العراق، وفي أوروبا، وفي كردستان سوريا.
آن للمنشقين عن هذه الجماعة فتح كل الدفاتر، من دون استثناء، وأعني دفاتر أوجلان وجميل بايق ومراد قره إيلان ودوران كالكان وحتى مصطفى خليل عبدي.
من حق الكرد أن يغضبوا ويسخطوا ويصرخوا في وجه كل من عبث بمصيرهم وتاجر بدماء أبنائهم. هذه الأسطر مكلفة ومؤلمة ومفاجئة للبعض. لكن فيها جزء كبير وهام من الحقيقة. هي ليست الحقيقة كاملةً. ربّما تكون مدخلًا جيّدًا للمراجعة والمكاشفة. هذه الأسطر مؤلمة لعوائل الشهداء والضحايا الكرد حين يكتشفون أيّة خديعة مريرة وكبرى سقطوا فيها حين استمرّوا في السير خلف أوجلان الذي رسنه بيد الدولة العميقة في تركيا. ومظلوم عبدي وباهوز أردال وإلهام أحمد وفوزة اليوسف… إلخ، هم مجرد تفاصيل تفاهة في هذه الخديعة. وكي يحاول أنصار الجماعة الأوجلانية إرضاء أنفسهم والمضي أكثر في الخديعة الأوجلانية، طبيعي أنهم سيواصلون شنّ هجماتهم عليّ. أنا أتفهّم جهلهم الذي هو وقود عبادتهم لأوجلان وتصوراتهم الأسطورية الوهمية عنه وبطولاته ونضالاته ومقاوماته الكاذبة خارج وداخل “معتقله”.
السقوط في شرك الدوغما الإيديولوجية أمرٌ في غاية البساطة والسهولة، لكن التحرر من هذا الشرك المميت والخبيث أمرٌ في غاية الصعوبة، بل بمثابة الولادة الجديدة للكائن المؤدلج والغبي.
28/8/2026