حول تسمية “سوريا ” في النزعة القوموية الاقصائية للسيد صهيب اليعربي

عبدالله كدو

ورد في منشور السيد صهيب اليعربي على صفحته في الفيسبوك ما يلي:
“حذف كلمة «العربية» من اسم الجمهورية العربية السورية بحجة تحقيق الديمقراطية والتعددية يكشف عن فهم مشوه لمعنى الدولة والمواطنة… لو طبقنا هذا المنطق العبثي على دول تعتبر قلاعا للديمقراطية سنصل إلى نتائج كارثية. ففي ألمانيا مثلا يعيش ملايين الأتراك الذين يشكلون كتلة ديموغرافية ضخمة ومؤثرة، فهل من حقهم المطالبة بتغيير اسم «جمهورية ألمانيا الاتحادية» أو طمس هويتها بحجة التعددية وحقوق الأقليات؟ وفي الولايات المتحدة يشكل المنحدرون من أمريكا اللاتينية نسبة تقارب خمس السكان، فهل سمعنا من يطالب بتغيير اسم الدولة لكي يشعر اللاتينيون بالديمقراطية؟ وكذلك الحال في فرنسا التي تضم الملايين من أصول افريقية وعربية، دون أن يمس ذلك اسم الجمهورية الفرنسية؟”
انتهى الاقتباس.
هذا الكلام غير صحيح، وهو أقرب إلى الطرح الرغبوي منه إلى المقارنة التاريخية والسياسية الموضوعية، إذ يقوم على خطأ جوهري في المقارنة بين الحالات المذكورة.
فلا يوجد اسم آخر لكل من ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا يقترن بالاسم الرسمي للدولة تاريخيا، فهذه أسماء تاريخية مرتبطة بجغرافيات ومجتمعات تشكلت عبر مسارات تاريخية طويلة، ولا تحمل في ذاتها، بصيغتها الحالية، صفة قومية اقصائية لشركاء أصليين داخل الدولة.
لكن الدولة السورية بحدودها السياسية الحالية هي نتاج التحولات السياسية الحديثة وتقسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا يصح بالتالي التعامل مع اسم الدولة الحالي وكأنه حقيقة قومية أزلية غير قابلة للنقاش. كما أن مفهوم سوريا الكبرى أو بلاد الشام كان أوسع من حدود الجمهورية السورية الحالية، وتشير دراسات تاريخية وجغرافية متعددة إلى أن نهر الفرات شكل، في تصورات تاريخية معينة، حدا شرقيا لبلاد الشام.
وبغض النظر عن الجدل المتعلق بمفهوم سوريا الكبرى وحدودها التاريخية، فإن اللاحقة “العربية” أضيفت إلى اسم الجمهورية السورية الذي اعتمد في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتسمية الجديدة “الجمهورية العربية السورية” جاءت مع الانقلاب الفاشي لحزب البعث العربي الاشتراكي العنصري. وبالتالي، فإن إعادة الدولة إلى اسم “الجمهورية السورية” لا تعني محو سوريا أو طمس تاريخها أو هويتها، بل تعني ببساطة اعتماد تسمية جغرافية وسياسية أكثر شمولا لجميع مكونات المجتمع السوري، ولا سيما عندما تكون الدولة متعددة القوميات.
ويؤكد ذلك، من الناحية السياسية، ما ورد في الوثيقة الموقعة بين المجلس الوطني الكردي في سوريا والائتلاف الوطني السوري، حيث نص البند الحادي عشر منها على:
“كما أن الثورة السورية العظيمة تبنت علم الاستقلال كرمز سيادي لها، فإننا نتبنى اسم الدولة في عهد الاستقلال.”
وهذا يعني بوضوح أن اعتماد اسم “الجمهورية السورية” ليس طرحا مستحدثا ولا محاولة لطمس هوية سوريا، بل له أساس سياسي موثق ضمن تفاهمات سورية – سورية سابقة.
أما وصف حذف كلمة “العربية” بأنه طمس لهوية الدولة، فهو يفترض مسبقا أن الهوية العربية هي الهوية الوحيدة التي يجوز أن تعبر عن الدولة، وهو ما يتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية الجامعة في مجتمع متعدد القوميات والهويات. فالصفة “العربية”، في سياق اسم الدولة، لا تضيف صفة جغرافية محايدة، وإنما تحمل دلالة قومية محددة، وهو ما يجعلها موضع اعتراض لدى الكرد وغيرهم من المكونات القومية غير العربية.
ومن هنا، فإن الإبقاء على هذه الصفة لا يحقق الشمول، بل يؤدي، في ظل واقع التعدد القومي في سوريا، إلى تهميش وإقصاء الكرد وغيرهم من الشركاء القوميين، من خلال منح هوية قومية واحدة موقعا دستوريا ورسميا في اسم الدولة.
أما المقارنة بين الكرد السوريين وبين الأتراك المهاجرين في ألمانيا أو المنحدرين من أصول لاتينية في الولايات المتحدة أو ذوي الأصول العربية والافريقية في فرنسا، فهي مقارنة في غير محلها، لأن هؤلاء في الحالات المذكورة هم، في الأساس، جماعات مهاجرة أو منحدرة من الهجرة، بينما الكرد في سوريا مكون أصيل من سكان البلاد، يعيشون على أرض أجدادهم التاريخية، وليسوا جماعة وافدة حديثا من دولة أخرى.
والمنطق نفسه يمكن تطبيقه على تركيا. فالكرد يشكلون مكونا قوميا أصيلا وكبيرا داخل تركيا الحالية، وتتركز مناطق واسعة من وجودهم التاريخي في كردستان الشمالية، أي شرق وجنوب شرق البلاد. ولذلك فإن تشبيه المطالبة بتغيير تسمية الدولة أو إعادة النظر في هويتها القومية بمطالب جماعات مهاجرة في دول أخرى هو قياس مع الفارق.
ومن المفيد هنا التذكير بأن معركة ملاذ كرد عام 1071 هي نقطة البداية التاريخية لوجود الترك في هذه الجغرافيا، أما الوجود الكردي في مناطق واسعة من البلاد التي تطلق عليها تسمية الأناضول وبلاد الرافدين فأقدم بكثير من وصول السلاجقة الأتراك إليها. كما أن احتكار اللغة التركية صفة اللغة الرسمية للدولة ظل موضع اعتراض لدى قطاعات واسعة من الحركة السياسية والثقافية الكردية، كما انتقده أيضا عدد من المثقفين الأتراك، ومن بينهم عالم الاجتماع التركي الدكتور إسماعيل بيشكجي، الذي طرح أفكارا ناقدة للهوية القومية الأحادية للدولة التركية ودعا إلى مقاربات أكثر توافقا مع الواقع التعددي.
وبالتالي، فإن القضية ليست في “حذف كلمة” لمجرد الحذف، ولا في طمس هوية سوريا أو استبدال هوية بأخرى، وإنما في السؤال الأهم: هل نريد دولة قومية أحادية، أم دولة وطنية جامعة يتساوى فيها جميع مواطنيها ومكوناتها القومية؟
إذا كان الهدف هو بناء دولة سورية ديمقراطية تعددية، فإن اسم الدولة ينبغي أن يكون جامعا لا مستبعدا، وأن يعبر عن الجغرافيا السياسية المشتركة لجميع السوريين، لا عن قومية واحدة منهم.
ومع كل الاحترام للآراء المخالفة، فإن الاختلاف السياسي والفكري حق مشروع، لكن من المفترض أن تستند الحجج إلى مقارنات تاريخية وسياسية صحيحة، لا إلى أمثلة انتقائية لا تتشابه في طبيعة تكوينها التاريخي والديموغرافي، ولا إلى مقاربات رغبويه وعاطفية تعيد إنتاج النزعة الشوفينية والعنصرية التي عانت منها سوريا والمنطقة طويلا.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هوشنك أوسي لم يكمل الشاب مصطفى خليل عبدي تعليمه الجامعي في كلية الهندسة بجامعة حلب، والتحق بحزب العمال الكردستاني بشكل رسمي سنة 1988، هو وناصر حج منصور وزهات كوباني والعشرات من الطلبة الكرد في جامعتي حلب ودمشق، وتم إرسالهم إلى معسكر البقاع اللبناني التابع لحزب العمال، وأخضعوا لدورة تدريبية عسكرية – سياسية في العام نفسه. اختار لنفسه اسمًا حركيًّا هو…

صديق ملا المسألة الكردية لم تعد شأناً محلياً منفصلاً في كل دولة، بل تتأثر بتحولات متزامنة في سوريا والعراق وتركيا وإيران وبإعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. وهذا يفرض على النخب الكردية الثقافية الانتقال من ردّ الفعل إلى التفكير الاستراتيجي. ولذلك يترتب على المثقف الكردي الآن، أن يستعيد شخصيته الإعتبارية بالضغط على كافة القوى السياسية الكوردية دون الإنحياز إلى هذا الطرف…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي لم أشاهده يومًا يطلب شيئًا لنفسه، ولم أره يومًا يسعى وراء منفعة شخصية، وإنما رأيته مدافعًا وطالبًا من أجل شعبه وقضيته، ومرشدًا للناس إلى طريق الصواب، مستندًا إلى ما يمتلكه من معرفة وخبرة بخفايا السياسة وكواليسها. سواء كنا مختلفين معه أو متفقين، فهذا موقفه، ومن حق كل شخص أن يرد عليه، وأن يناقش مواقفه وتصريحاته، إن…

Ahmad Bave Felek التضامن مع الدكتور سربست نبي، لأن ما قاله يفتح بابًا لا يريد كثيرون الاقتراب منه: باب مراجعة التاريخ، لا التصفيق للحاضر. إذا كان الطريق اليوم هو طريق الاتفاق والتنسيق والتفاهم، فلماذا احتاج الأمر كل هذه العقود، وكل هذا الدم، وكل هذه التضحيات، حتى نصل…