القضية الكردية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، والحجة لا تُواجه بالتخوين

Ahmad Bave Felek

التضامن مع الدكتور سربست نبي، لأن ما قاله يفتح بابًا لا يريد كثيرون الاقتراب منه: باب مراجعة التاريخ، لا التصفيق للحاضر.
إذا كان الطريق اليوم هو طريق الاتفاق والتنسيق والتفاهم، فلماذا احتاج الأمر كل هذه العقود، وكل هذا الدم، وكل هذه التضحيات، حتى نصل إلى ما كان يمكن أن يكون خيارًا سياسيًا منذ البداية؟
المشكلة، في رأيي، أعمق من شخص عبد الله أوجلان، أو مظلوم عبدي، أو أي قيادة بعينها. إنها مرتبطة بطبيعة المشروع نفسه. فحزب العمال الكردستاني، في الأساس، لم يكن حزبًا مبنيًا على فكر قومي واضح ومستقر، ولم يكن صاحب برنامج سياسي واضح وثابت، بقدر ما بدا، في مراحل مختلفة، مشروعًا أيديولوجيًا متحركًا تتبدل أدواته وتحالفاته وفق الظروف وموازين القوى.
والأمر نفسه يستحق النقاش عندما نتحدث عن قوات سوريا الديمقراطية. ومع احترامنا الشديد لكل قطرة دم أُريقت في مواجهة الإرهاب، ولكل مقاتل قاتل دفاعًا عن أرضه وأهله، فإن احترام التضحيات لا يعني أن تصبح القيادة أو المشروع السياسي فوق النقد والمساءلة.
وهنا يبقى السؤال: إذا كان التفاهم السياسي ممكنًا اليوم، فلماذا لم يكن هو الخيار منذ البداية؟ لماذا احتجنا إلى كل هذه السنوات من الصراع، بينما نصل اليوم إلى طاولة التفاوض ونتحدث عن الاتفاق والتنسيق و«الخطوة بخطوة»؟
ولعل هذا التحول المتكرر في المواقف والتحالفات يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل كان القرار السياسي طوال هذه السنوات نابعًا من مشروع مستقل وثابت، أم أن السلاح كان، في مراحل مختلفة، جزءًا من حسابات إقليمية ودولية، تتقاطع معه حينًا وتوظفه حينًا آخر وفق مصالحها؟ فحين تدخل البندقية في حسابات القوى الكبرى والإقليمية، قد يجد أصحابها أنفسهم، من حيث يدركون أو لا يدركون، يخوضون معارك تتجاوز القضية التي يرفعون شعار الدفاع عنها.
وهذا تحديدًا ما يجعل المراجعة ضرورية، لا لتصفية الحسابات، ولا لإنكار التضحيات، وإنما لفهم ما حدث بعيدًا عن التقديس والشعارات.
والأهم من ذلك كله: **القضية الكردية أكبر من حزب العمال الكردستاني، وأكبر من قوات سوريا الديمقراطية، وأكبر من عبد الله أوجلان ومظلوم عبدي وأي قيادة أو تنظيم.** القضية الكردية قضية شعب وحقوق وكرامة ومستقبل، ولا يجوز اختزالها في حزب أو شخص أو مشروع سياسي واحد.
من حق الناس أن تسأل، ومن حق المثقف أن ينتقد، ومن حقنا جميعًا أن نراجع التجربة بعيدًا عن التقديس والتخوين.
انتقاد حزب العمال الكردستاني أو قوات سوريا الديمقراطية أو قياداتهما لا يعني إنكار تضحيات من حاربوا الإرهاب، ولا يعني الوقوف ضد حقوق الكرد؛ بل يعني الفصل بين احترام الإنسان الذي ضحّى، وبين نقد المشروع السياسي الذي قادته القيادات.
ولهذا، كل التضامن مع الدكتور سربست نبي.
**فالدماء تُحترم، لكن السياسة تُناقش، والتاريخ يُراجع، والقضية الكردية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، والحجة لا تُواجه بالتخوين.**

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هوشنك أوسي لم يكمل الشاب مصطفى خليل عبدي تعليمه الجامعي في كلية الهندسة بجامعة حلب، والتحق بحزب العمال الكردستاني بشكل رسمي سنة 1988، هو وناصر حج منصور وزهات كوباني والعشرات من الطلبة الكرد في جامعتي حلب ودمشق، وتم إرسالهم إلى معسكر البقاع اللبناني التابع لحزب العمال، وأخضعوا لدورة تدريبية عسكرية – سياسية في العام نفسه. اختار لنفسه اسمًا حركيًّا هو…

عبدالله كدو ورد في منشور السيد صهيب اليعربي على صفحته في الفيسبوك ما يلي: “حذف كلمة «العربية» من اسم الجمهورية العربية السورية بحجة تحقيق الديمقراطية والتعددية يكشف عن فهم مشوه لمعنى الدولة والمواطنة… لو طبقنا هذا المنطق العبثي على دول تعتبر قلاعا للديمقراطية سنصل إلى نتائج كارثية. ففي ألمانيا مثلا يعيش ملايين الأتراك الذين يشكلون كتلة ديموغرافية ضخمة ومؤثرة، فهل…

صديق ملا المسألة الكردية لم تعد شأناً محلياً منفصلاً في كل دولة، بل تتأثر بتحولات متزامنة في سوريا والعراق وتركيا وإيران وبإعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. وهذا يفرض على النخب الكردية الثقافية الانتقال من ردّ الفعل إلى التفكير الاستراتيجي. ولذلك يترتب على المثقف الكردي الآن، أن يستعيد شخصيته الإعتبارية بالضغط على كافة القوى السياسية الكوردية دون الإنحياز إلى هذا الطرف…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي لم أشاهده يومًا يطلب شيئًا لنفسه، ولم أره يومًا يسعى وراء منفعة شخصية، وإنما رأيته مدافعًا وطالبًا من أجل شعبه وقضيته، ومرشدًا للناس إلى طريق الصواب، مستندًا إلى ما يمتلكه من معرفة وخبرة بخفايا السياسة وكواليسها. سواء كنا مختلفين معه أو متفقين، فهذا موقفه، ومن حق كل شخص أن يرد عليه، وأن يناقش مواقفه وتصريحاته، إن…