التضامن مع الدكتور سربست نبي، لأن ما قاله يفتح بابًا لا يريد كثيرون الاقتراب منه: باب مراجعة التاريخ، لا التصفيق للحاضر.
إذا كان الطريق اليوم هو طريق الاتفاق والتنسيق والتفاهم، فلماذا احتاج الأمر كل هذه العقود، وكل هذا الدم، وكل هذه التضحيات، حتى نصل إلى ما كان يمكن أن يكون خيارًا سياسيًا منذ البداية؟
المشكلة، في رأيي، أعمق من شخص عبد الله أوجلان، أو مظلوم عبدي، أو أي قيادة بعينها. إنها مرتبطة بطبيعة المشروع نفسه. فحزب العمال الكردستاني، في الأساس، لم يكن حزبًا مبنيًا على فكر قومي واضح ومستقر، ولم يكن صاحب برنامج سياسي واضح وثابت، بقدر ما بدا، في مراحل مختلفة، مشروعًا أيديولوجيًا متحركًا تتبدل أدواته وتحالفاته وفق الظروف وموازين القوى.
والأمر نفسه يستحق النقاش عندما نتحدث عن قوات سوريا الديمقراطية. ومع احترامنا الشديد لكل قطرة دم أُريقت في مواجهة الإرهاب، ولكل مقاتل قاتل دفاعًا عن أرضه وأهله، فإن احترام التضحيات لا يعني أن تصبح القيادة أو المشروع السياسي فوق النقد والمساءلة.
وهنا يبقى السؤال: إذا كان التفاهم السياسي ممكنًا اليوم، فلماذا لم يكن هو الخيار منذ البداية؟ لماذا احتجنا إلى كل هذه السنوات من الصراع، بينما نصل اليوم إلى طاولة التفاوض ونتحدث عن الاتفاق والتنسيق و«الخطوة بخطوة»؟
ولعل هذا التحول المتكرر في المواقف والتحالفات يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل كان القرار السياسي طوال هذه السنوات نابعًا من مشروع مستقل وثابت، أم أن السلاح كان، في مراحل مختلفة، جزءًا من حسابات إقليمية ودولية، تتقاطع معه حينًا وتوظفه حينًا آخر وفق مصالحها؟ فحين تدخل البندقية في حسابات القوى الكبرى والإقليمية، قد يجد أصحابها أنفسهم، من حيث يدركون أو لا يدركون، يخوضون معارك تتجاوز القضية التي يرفعون شعار الدفاع عنها.
وهذا تحديدًا ما يجعل المراجعة ضرورية، لا لتصفية الحسابات، ولا لإنكار التضحيات، وإنما لفهم ما حدث بعيدًا عن التقديس والشعارات.
والأهم من ذلك كله: **القضية الكردية أكبر من حزب العمال الكردستاني، وأكبر من قوات سوريا الديمقراطية، وأكبر من عبد الله أوجلان ومظلوم عبدي وأي قيادة أو تنظيم.** القضية الكردية قضية شعب وحقوق وكرامة ومستقبل، ولا يجوز اختزالها في حزب أو شخص أو مشروع سياسي واحد.
من حق الناس أن تسأل، ومن حق المثقف أن ينتقد، ومن حقنا جميعًا أن نراجع التجربة بعيدًا عن التقديس والتخوين.
انتقاد حزب العمال الكردستاني أو قوات سوريا الديمقراطية أو قياداتهما لا يعني إنكار تضحيات من حاربوا الإرهاب، ولا يعني الوقوف ضد حقوق الكرد؛ بل يعني الفصل بين احترام الإنسان الذي ضحّى، وبين نقد المشروع السياسي الذي قادته القيادات.
ولهذا، كل التضامن مع الدكتور سربست نبي.
**فالدماء تُحترم، لكن السياسة تُناقش، والتاريخ يُراجع، والقضية الكردية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، والحجة لا تُواجه بالتخوين.**