صديق ملا
المسألة الكردية لم تعد شأناً محلياً منفصلاً في كل دولة، بل تتأثر بتحولات متزامنة في سوريا والعراق وتركيا وإيران وبإعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط.
وهذا يفرض على النخب الكردية الثقافية الانتقال من ردّ الفعل إلى التفكير الاستراتيجي.
ولذلك يترتب على المثقف الكردي الآن، أن يستعيد شخصيته الإعتبارية بالضغط على كافة القوى السياسية الكوردية دون الإنحياز إلى هذا الطرف أو ذاك لتصحيح المسار .
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المثقف إلى ناطق رسمي باسم حزب أو زعيم أو مشروع سياسي. لأن وظيفة المثقف ليست تبرير قرارات السياسي، بل مساءلتها، حتى عندما يكون السياسي من المعسكر الذي يتعاطف معه.
والاستقلال هنا لا يعني الحياد تجاه قضية الشعب الكردي؛ بل يعني الانحياز إلى المصلحة العليا للشعب الكردي لا إلى مصلحة التنظيم.
وهذه مسألة حاسمة لأن التجربة الكردية نفسها شديدة التعدد والتعقيد ، وفيها تيارات وأحزاب ومصالح ورؤى متنافسة، ولا يمكن اختزالها في قيادة أو أيديولوجيا واحدة
و المثقف الكردي يجب أن يصبح منتجاً للرؤية، لا منتجاً للخطاب فقط…
فالكرد لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الشعارات عن:
المظلومية والبطولة والتضحيات بقدر حاجتهم إلى إجابات عملية:
كيف يمكن الجمع بين الحقوق القومية والديمقراطية؟
ما العلاقة بين الكرد والدول التي يعيشون فيها؟
كيف نحمي الحقوق الكردية القومية من دون تحويل القضية إلى صراع دائم؟
وما الحد الأدنى المشترك بين القوى الكردية المختلفة؟
وعليه أي المثقف الكردي أن يعمل على بناء “العقد الإجتماعي الكردي”الداخلي.
وقبل أن يطالب المثقف الآخرين بالاعتراف بالكرد كشعب أصيل يعيش على أرضه ، عليه أن يساعد الشعب الكردي على الاتفاق على مجموعة مبادئ مشتركة، مثل:
الديمقراطية، الحقوق القومية، التعددية، سيادة القانون، الحريات الفردية، المساواة بين المرأة والرجل، حماية اللغة والثقافة، رفض الاستبداد الداخلي، ونبذ العنف كوسيلة دائمة لحل المشكلات.
وليس مطلوباً من المثقف أن يتحول إلى نائب أو وزير أو مسؤول حزبي. لكن عليه أن يمارس السياسة بمعناها الأوسع: إنتاج الأفكار، التأثير في الرأي العام، مراقبة السلطة، بناء الجسور، وتقديم البدائل.
وعليه أن يلعب وظيفة الناقد، وكذلك يكون المفاوض غير الرسمي :
ذلك لأن المثقف يستطيع أن يفتح قنوات حوار لا تستطيع الأحزاب فتحها أحياناً. والمجتمع المدني. والنخب الفكرية يمكن أن يؤديا دوراً مهماً في تخفيف الصراع وخلق مساحات الحوار.
وأعتقد أن المرحلة الحالية تتطلب من المثقف الكردي شجاعة من نوع مختلف.
ففي الماضي كانت الشجاعة أن تقاوم القمع.
أما اليوم، ففي بعض الحالات، قد تكون الشجاعة أن تقول الحقيقة للحليف قبل الخصم. كأن يقول مثلاً:
(( نعم، هناك ظلم تاريخي بحق الكرد، لكن هذا لا يعطي أي حزب كردي حق احتكار تمثيل الكرد.
وأن يقول:
نعم، نحتاج إلى وحدة الصف، لكن الوحدة لا تعني إسكات الاختلاف.
وأن يقول:
نعم، نحتاج إلى علاقات دولية، لكن الدعم الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء القوة الذاتية والمؤسسات. وأن يقول أيضاً:
نعم، القضية القومية أساسية، لكن مستقبل كردستان سورية لا يمكن أن يكون ديمقراطياً إذا لم يكن الإنسان الكردي نفسه حراً داخل بيئته .
وهنا يصبح النقد الذاتي جزءاً من الوطنية، وليس خيانة لها.
والخطر الأكبر الذي أراه هو أن يبقى المثقف الكردي أسيراً لـِلغة وثقافة الماضي بينما السياسة تتحرك بسرعة نحو المستقبل.
هناك بالفعل نقاش حاد داخل الأوساط الكردية حول ضرورة إعادة تعريف دور المثقف،
لذلك فإن المطلوب ليس أن يصبح المثقف أكثر حزبية، وإنما أكثر استقلالاً وأكثر سياسية بالمعنى الاستراتيجي.
وأختصر المسألة في عبارة واحدة:
دور المثقف الكردي في هذه المرحلة هو أن يحوّل الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع سياسي قابل للحياة.
Sedîq Mella 31/8/2026
Deutschland