حسن قاسم
بلغني ايها الملك السعيد ذو الراي الرشيد أنه تروى الحكاية الشهيرة أن زرقاء اليمامة كانت تتمتع بحدة بصر استثنائية، حتى إنها كانت ترى ما لا يراه الآخرون. وحين أراد جيش معادٍ مباغتة قومها، لجأ إلى حيلة ذكية؛ حمل الجنود أغصان الأشجار واختبؤوا خلفها، فتقدموا نحو المدينة وكأن الأشجار نفسها تتحرك.
نظرت زرقاء إلى الأفق، فرأت المشهد الذي لم يره غيرها، وحذرت قومها قائلة إن الأشجار تتحرك نحوهم، وإن وراء هذا المشهد خطرًا يقترب. لكن قومها لم يأخذوا تحذيرها على محمل الجد، وربما بدا لهم كلامها غريبًا ومستحيلًا. وحين اكتشفوا الحقيقة، كان الوقت قد فات. وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح فهل وصلت الرسالة اصدقائي
تعليق :
بغض النظر عن حقيقة القصة وتفاصيلها التي امتزج فيها التاريخ بالأسطورة، فإن مغزاها بقي حيًا: قد يرى شخص واحد الخطر قبل أن يراه الجميع، لكن رؤية الحقيقة لا تكفي إذا لم تجد من يصغي إليها.
وفي السياسة، تتكرر حكاية زرقاء اليمامة بأشكال مختلفة. فالأحداث الكبرى لا تأتي دائمًا بصورة واضحة ومباشرة؛ غالبًا ما تبدأ بإشارات صغيرة، وتغيرات تبدو عابرة، وتحولات في مواقف القوى الإقليمية والدولية، ثم تتراكم حتى يصبح ما كان تحذيرًا بالأمس واقعًا لا يمكن تجاهله اليوم.
المشكلة ليست في أن الأخطاء تحدث؛ فالسياسة بطبيعتها مجال للمخاطر وسوء التقدير. المشكلة الأكبر هي رفض رؤية المؤشرات، أو إسكات الأصوات التي تحذر منها، أو التعامل مع النقد باعتباره خصومة وخيانة بدل اعتباره فرصة للمراجعة وتصحيح المسار.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة سياسية أو قيادة هو أن تحيط نفسها بأشخاص يقولون لها دائمًا ما ترغب في سماعه، بينما تُهمَّش الأصوات التي تقول ما يجب أن تسمعه.
فالتاريخ لا يعاقب فقط من ارتكب الخطأ، بل أحيانًا يعاقب من رأى الخطأ يتشكل أمامه ولم يمتلك الشجاعة لمراجعته.
زرقاء اليمامة لم تكن المشكلة في عينيها؛ فقد رأت.
ولم تكن المشكلة في تحذيرها؛ فقد حذرت.
كانت المشكلة أن قومها لم يصدقوا ما رأته.
وهنا ربما يكمن الدرس الأهم:
حين تبدأ الأشجار بالتحرك، لا تسخروا ممن يراها تتحرك؛ اسألوا أولًا: من يقف خلفها؟ وإلى أين تتجه؟