الكورد السوريون: الشراكة في الدولة أفضل من البقاء خارجها

د. عدنان بوزان

لا ينبغي اختزال مستقبل الكورد السوريين في السؤال المتعلق ببقاء قوة عسكرية أو اندماجها في مؤسسات الدولة. فالقضية الكوردية في سوريا أقدم من جميع التشكيلات العسكرية القائمة، وأعمق منها، لأنها في جوهرها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالهوية والحقوق والمواطنة والشراكة في الدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن وجود الكورد السوريين داخل السلطة المركزية ومؤسسات الدولة، بوصفهم شركاء في صياغة النظام السياسي والدستور، أفضل من بقائهم خارج مركز القرار. لكن هذا المبدأ لا يعني قبول مشاركة شكلية أو استيعاب بعض الشخصيات الكوردية في مؤسسات السلطة؛ إذ إن الفرق كبير بين تمثيل أفراد كورد في الدولة وبين الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية.

 

– قسد ليست القضية الكوردية

من الضروري، أولاً، التمييز بين الكورد السوريين بوصفهم مكوناً قومياً أصيلاً من مكونات المجتمع السوري، وبين قوات سوريا الديمقراطية بوصفها تشكيلاً عسكرياً وسياسياً نشأ في ظروف الحرب السورية.

فقسد ليست، من الناحية التكوينية، قوة كوردية خالصة، ولا يمكن قانونياً أو سياسياً اختزال الشعب الكوردي بها. فهي تضم مكونات متعددة، من الكورد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم، وتشكلت ضمن سياق عسكري خاص ارتبط بالحرب ضد التنظيمات الإرهابية وبالمعادلات الدولية والإقليمية التي أفرزتها الحرب السورية.

صحيح أن الكورد يشكلون حضوراً مهماً في بنيتها، ولا سيما في مستويات القيادة، لكن ذلك لا يمنح أي تشكيل عسكري صفة التمثيل الحصري للشعب الكوردي.

الشعب الكوردي ليس تنظيماً عسكرياً، والقضية الكوردية ليست قضية سلاح.

لذلك، فإن اندماج أي قوات مسلحة في المؤسسة العسكرية للدولة لا يعني، في ذاته، اندماج الكورد أو ذوبان قضيتهم. فالمشكلة لا تتعلق بوجود جيش واحد من عدمه، بل بطبيعة الدولة التي ينتمي إليها هذا الجيش، وبالأسس الدستورية التي تحكم العلاقة بين الدولة ومكوناتها القومية.

إن مبدأ احتكار الدولة للسلاح واختصاص المؤسسات العسكرية الرسمية بالدفاع عن السيادة والسلامة الإقليمية يمثل، من حيث الأصل، أحد أسس الدولة الحديثة. غير أن هذا المبدأ لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي؛ فلا يمكن مطالبة المكونات بالتخلي عن أدوات القوة من دون تقديم ضمانات دستورية وسياسية حقيقية تمنع عودة الإقصاء والاستبداد.

ومن هنا، فإن السؤال ليس: هل تندمج القوات في جيش الدولة؟ بل: هل تتجه سوريا إلى بناء دولة قانون ومواطنة، أم إلى إعادة إنتاج مركزية سياسية تنكر التعدد القومي؟

 

– الحقوق لا تمنح بقرار إداري

إن أحد أخطر الأخطاء في معالجة القضية الكوردية هو الاعتقاد بأن تعيين مسؤولين كورد، أو السماح بتدريس اللغة الكوردية، أو إصدار مرسوم يعترف بوجود الكورد، يمكن أن يشكل حلاً للقضية.

هذه الإجراءات، حتى لو كانت إيجابية، تبقى إجراءات سياسية أو إدارية قابلة للتعديل أو الإلغاء.

فالمرسوم يصدر بإرادة سلطة، ويمكن إلغاؤه بإرادة سلطة أخرى. والقرار الحكومي لا يملك، في الدولة القانونية، القيمة نفسها التي يملكها النص الدستوري.

ولهذا فإن الحقوق القومية لا ينبغي أن تبقى رهينة مزاج السلطة أو إرادة الحاكم.

الحق الذي لا يحميه الدستور يبقى معرضاً للتراجع.

إن الحل الجدي للقضية الكوردية يبدأ من الاعتراف الدستوري الواضح بأن الكورد مكون قومي أصيل في سوريا، وأن لهم الحق في الحفاظ على لغتهم وهويتهم وثقافتهم وممارسة حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية ووحدتها.

وهذا الاعتراف لا يمثل امتيازاً تمنحه الأغلبية للأقلية، بل يمثل تنظيماً دستورياً لعلاقة الدولة بمكوناتها على أساس المساواة وعدم التمييز.

فالمواطنة المتساوية لا تعني إلغاء الخصوصيات القومية، كما أن وحدة الدولة لا تعني فرض هوية قومية واحدة على جميع مواطنيها.

 

– التمثيل السياسي لا يساوي الاعتراف القومي

يمكن لأي حكومة أن تضم وزيراً كوردياً أو عدداً من المسؤولين الكورد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القضية الكوردية قد حلت.

فالتمثيل الفردي يتعلق بالأشخاص، أما الحقوق القومية فتتعلق بجماعة بشرية لها لغة وهوية ووجود تاريخي.

وهنا يكمن الفرق بين دمج الأفراد في السلطة ومشاركة القضية في الدولة.

فالكوردي الذي يصل إلى منصب سياسي يمكن أن يمثل نفسه أو حزبه أو المؤسسة التي يعمل فيها، لكنه لا يستطيع وحده أن يحل محل نص دستوري يحدد طبيعة الدولة ويعترف بتعددها القومي.

لذلك، فإن مشاركة الكورد في السلطة يجب أن تقترن بمشاركتهم في صياغة العقد الدستوري الجديد، لأن الدستور هو الذي يحدد شكل الدولة، وحدود السلطة، وطبيعة الحقوق، والضمانات التي تحمي المواطنين والمكونات.

 

– من هامش السلطة إلى الشراكة في القرار

إن بقاء الكورد خارج مؤسسات الدولة المركزية لا يعني بالضرورة الحفاظ على حقوقهم، بل قد يؤدي إلى استمرار صناعة القرارات المتعلقة بهم من دون مشاركتهم.

فالسلطة المركزية هي التي تضع الدستور والقوانين العامة، وتدير السياسة الخارجية، وتحدد شكل المؤسسات السيادية، وترسم السياسات الاقتصادية والتعليمية والثقافية على مستوى الدولة.

ولهذا، فإن غياب الكورد عن مركز القرار يترك قضيتهم عرضة للتفاوض بين الآخرين.

أما وجودهم داخل مؤسسات الدولة، فيمنحهم إمكانية الانتقال من موقع القضية التي تناقش إلى موقع الشريك الذي يشارك في صناعة القرار.

لكن هذه المشاركة يجب أن تقوم على أساس سياسي وقانوني واضح، لا على أساس المحاصصة المؤقتة أو الولاءات الشخصية.

المطلوب هو أن يكون للكورد السوريين تمثيل سياسي مستقل يعبر عن مصالحهم داخل سوريا، ويستند إلى واقعهم الوطني، ويشارك في بناء الدولة بوصفه طرفاً سورياً أصيلاً.

 

– وحدة سوريا والاعتراف بالتعدد

لا يوجد تعارض قانوني أو سياسي بين وحدة الدولة السورية والاعتراف بالتعدد القومي فيها.

بل إن التجارب السياسية تثبت أن الدول الأكثر استقراراً ليست تلك التي تنكر تعدد مجتمعاتها، وإنما تلك التي تنظم هذا التعدد داخل إطار دستوري عادل.

إن محاولة فرض هوية قومية واحدة بوصفها الهوية الوحيدة للدولة والمجتمع تنتج الإقصاء، بينما الاعتراف بالتنوع يحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى عنصر من عناصر الاستقرار.

وحدة الدولة لا تعني وحدة القومية.

يمكن أن تكون الدولة واحدة، والسيادة واحدة، والمؤسسات الوطنية واحدة، مع الاعتراف بأن المجتمع يتكون من قوميات وثقافات ولغات متعددة.

وهذا هو جوهر الدولة الحديثة: دولة المواطنة والقانون، لا دولة الهوية المفروضة.

 

– القرار السوري يجب أن يكون سورياً

إن بناء دولة مستقرة يتطلب أيضاً إنهاء حالة تعدد الولاءات المسلحة والسياسية العابرة للحدود.

فسوريا لا يمكن أن تستعيد سيادتها الكاملة ما دامت أراضيها ساحة لصراعات إقليمية ودولية، أو ما دامت بعض القوى والتنظيمات ترتبط تنظيمياً وعسكرياً بقرارات تصدر خارج الحدود.

ولهذا يجب أن يكون المبدأ عاماً وواضحاً: إبعاد جميع القوى المسلحة غير السورية عن الأراضي السورية، وإنهاء أي تبعية عسكرية أو تنظيمية تجعل القرار الوطني تابعاً لمراكز خارج الدولة.

وينطبق ذلك على جميع القوى والمكونات من دون استثناء.

أما بالنسبة إلى الكورد السوريين، فإن استقلال قرارهم السياسي لا يعني التخلي عن انتمائهم القومي أو قطع روابطهم الثقافية والتاريخية مع بقية أجزاء كوردستان. لكن يجب التمييز بين الانتماء القومي المشروع وبين التبعية التنظيمية.

يمكن أن يكون الانتماء قومياً، وأن يكون القرار السياسي سورياً.

وهذا التمييز ضروري لبناء حركة سياسية كوردية سورية تمتلك قرارها الوطني، وتدافع عن حقوق الكورد داخل الدولة السورية، بعيداً عن تحويلهم إلى امتداد تنظيمي لمشاريع سياسية خارج الحدود.

خلاصة القول، إن مستقبل الكورد السوريين لا يجب أن يربط بمصير قوة عسكرية، ولا أن يختزل في تعيين عدد من الشخصيات الكوردية داخل السلطة. القضية أعمق من ذلك: إنها قضية اعتراف دستوري وشراكة سياسية وضمانات قانونية.

ولهذا فإن وجود الكورد داخل الدولة ومؤسساتها أفضل من بقائهم خارجها، بشرط ألا يكون وجوداً شكلياً أو فردياً، بل مشاركة حقيقية في صياغة مستقبل سوريا.

لا نحتاج إلى مرسوم مؤقت.

ولا إلى تمثيل رمزي.

ولا إلى وعود سياسية قابلة للتراجع.

ما يحتاجه الكورد السوريون هو عقد دستوري جديد يعترف بالتعدد القومي، ويؤكد وحدة سوريا على أساس المواطنة المتساوية، ويضمن الحقوق القومية والثقافية واللغوية ضمن إطار الدولة.

إن البديل عن الإقصاء ليس الانفصال، والبديل عن الذوبان ليس العزلة.

الطريق الأكثر واقعية هو دولة سورية واحدة، وسيادة واحدة، ومؤسسات وطنية واحدة، ودستور يعترف بجميع مكونات المجتمع، ويجعل الكورد شركاء في الدولة لا مجرد أفراد داخل سلطتها.

عندها فقط يصبح وجود الكورد في دمشق انتقالاً من هامش القرار إلى مركزه، ومن موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع المشاركة في صياغة الدولة التي تحمي تلك الحقوق.

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر سربست نبي ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كردي يختلف الناس حوله؛ إنه واحد من أولئك المثقفين الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن السؤال طريقًا إلى الحقيقة. ولهذا فإن ما يتعرض له اليوم من حملات إعلامية وتشويه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر، لأن القضية في جوهرها أكبر…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   يبذل النظام الإيراني جهوداً متواصلة للحفاظ على شبكة وكلائه وحلفائه المسلحين في المنطقة، في وقت تبدو فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر تشدداً تجاه الدور الذي لعبته هذه الجماعات في زعزعة الاستقرار. فالإستراتيجية التي حكمت علاقة طهران بوكلائها خلال العقود الماضية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه، خصوصاً بعد…

نورالدين عمر تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في القدرة على بناء التوافقات في اللحظات التاريخية الحرجة. وفي هذا السياق، يظل الجنرال مظلوم عبدي الشخصية الأكثر قبولاً واحتراماً بين الكرد في سوريا وروجافا، حتى لدى أشد المعارضين والمنتقدين لنهجه السياسي؛ إذ يعكس هذا القبول الضمني إدراكاً عاماً بفرادة دوره كرمز جامع يتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. وعلى عكس ما يروجه البعض،…

حسن صالح Hesen Ibrahim Salih مؤخرا بدأت حملة شرسة من قبل إعلام تابع للحركة الآبوجيه، ضد الدكتور سربست نبي، هذا الأكاديمي البارع بات هدفا لتشويه سمعته والتهديد والوعيد ولتحريض ذويه ضده، والسبب هو أنه ملتزم بجوهر القضية القومية لشعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، ويبدي موقفه من سياسات الحركة الآبوجيه، بكل وضوح وشفافية، دون أن يخشى في قول كلمة…