أزمة النفوذ الإقليمي: شبكة الوكلاء ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

يبذل النظام الإيراني جهوداً متواصلة للحفاظ على شبكة وكلائه وحلفائه المسلحين في المنطقة، في وقت تبدو فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر تشدداً تجاه الدور الذي لعبته هذه الجماعات في زعزعة الاستقرار. فالإستراتيجية التي حكمت علاقة طهران بوكلائها خلال العقود الماضية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه، خصوصاً بعد التحولات الجذرية التي شهدها الشرق الأوسط منذ أواخر عام 2023 وما أعقبها من إعادة رسم للأولويات الأمنية والسياسية.

لقد تعامل النظام الإيراني طويلاً مع وكلائه باعتبارهم جزءاً من منظومة أمنه ونفوذه خارج حدوده. ومن خلال دعم قوى مسلحة وسياسية في العراق ولبنان واليمن وسوريا، استطاع أن يبني لنفسه مساحة واسعة للمناورة. ولذلك فإن أي تراجع كبير في نفوذ هذه القوى يمس إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها إستراتيجية طهران الإقليمية. غير أن القضية لم تعد تُعدّ شأناً مجرداً، بل أصبحت موضوعاً مباشراً للنقاش الدولي بعدما ارتبط نشاط هذه الجماعات بتهديد الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي.

ولعل التغييرات الأخيرة في بنية القيادة العسكرية والأمنية للنظام الإيراني—ولا سيما في الحرس، وهيئة الأركان، والبسيج، والمجلس الأعلى للأمن القومي—تكشف أن الاتجاه الحقيقي لقمة السلطة ليس نحو التهدئة، بل نحو المزيد من العسكرة وتدوير القيادات الأمنية القديمة. وهذا يعكس واقع نظام غارق في أزماته، لا يملك خياراً للتردد سوى تصعيد القمع في الداخل وإشعال الحروب في الخارج للحفاظ على بقائه.

وفي هذا السياق، تكتسب المواقف الإقليمية المناهضة لتدخلات طهران بعداً إستراتيجياً حاسماً. فقد أصدرت أكثر من 280 شخصية عربية بارزة من 11 دولة—تضم وزراء سابقين وبرلمانيين من البحرين، وتونس، والأردن، والسودان، وسوريا، والعراق، وفلسطين، ولبنان، ومصر، والمغرب، واليمن—بياناً مشتركاً أدانوا فيه السياسات العدوانية للنظام الإيراني وتدخلاته المباشرة ودعمه للميليشيات وتصديره للإرهاب.

وأكد الموقعون في البيان الصادر عن “اللجنة العربية الإسلامية لرفض تدخلات النظام الإيراني” أن القمع الداخلي وتصدير الإرهاب والسعي لامتلاك السلاح النووي تشكل أركاناً ثابتة في إستراتيجية البقاء لدى هذا النظام. وشُدد البيان على أن تصعيد القمع وضبط المعارضين وأعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية لا يعبر عن قوة النظام، بل يكشف خوفه من المقاومة المنظمة ومن مجتمع يقف على حافة الانفجار.

كما أبرزت اللجنة أن الترتيبات والتفاهمات الإقليمية لتعزيز الأمن الجماعي، رغم إيجابيتها، ستبقى ناقصة ما لم تستكمل بالحلقة الأساسية المفقودة: الاعتراف بنضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فلا سياسة المماشاة ولا خيار الحرب يشكلان حلاً جذرياً، بل إن الحل الحقيقي يكمن في دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والديمقراطية وإسقاط نظام ولاية الفقيه لتأسيس جمهورية ديمقراطية غير نووية تعيش بسلام مع جوارها العربي والإقليمي.

إن التعامل مع نفوذ الوكلاء لا يمكن اختزاله في عمل عسكري أو أمني فقط، لأن لهذه الجماعات امتدادات داخل البلدان التي تنشط فيها. ولذلك فإن معالجة الظاهرة بصورة مستدامة تتطلب تعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، ومعالجة أسباب الفراغ السياسي والأمني.

والأهم من ذلك أن النظام الإيراني يدرك أن خسارة شبكة وكلائه قد تتحول إلى ضربة إستراتيجية تُضعف قدرته على استخدام الساحة الإقليمية كخط دفاع متقدم أو كأداة للمساومة عند مواجهة الأزمات. ولهذا السبب تحديداً، أصبحت هذه القضية جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط. وكلما اقتربت المنطقة من مرحلة تقوم على تعزيز سيادة الدول وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية، أصبح بقاء الوكلاء بالصيغة السابقة أمراً بالغ الصعوبة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان لا ينبغي اختزال مستقبل الكورد السوريين في السؤال المتعلق ببقاء قوة عسكرية أو اندماجها في مؤسسات الدولة. فالقضية الكوردية في سوريا أقدم من جميع التشكيلات العسكرية القائمة، وأعمق منها، لأنها في جوهرها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالهوية والحقوق والمواطنة والشراكة في الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن وجود الكورد السوريين داخل السلطة المركزية ومؤسسات الدولة، بوصفهم شركاء…

صلاح عمر سربست نبي ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كردي يختلف الناس حوله؛ إنه واحد من أولئك المثقفين الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن السؤال طريقًا إلى الحقيقة. ولهذا فإن ما يتعرض له اليوم من حملات إعلامية وتشويه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر، لأن القضية في جوهرها أكبر…

نورالدين عمر تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في القدرة على بناء التوافقات في اللحظات التاريخية الحرجة. وفي هذا السياق، يظل الجنرال مظلوم عبدي الشخصية الأكثر قبولاً واحتراماً بين الكرد في سوريا وروجافا، حتى لدى أشد المعارضين والمنتقدين لنهجه السياسي؛ إذ يعكس هذا القبول الضمني إدراكاً عاماً بفرادة دوره كرمز جامع يتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. وعلى عكس ما يروجه البعض،…

حسن صالح Hesen Ibrahim Salih مؤخرا بدأت حملة شرسة من قبل إعلام تابع للحركة الآبوجيه، ضد الدكتور سربست نبي، هذا الأكاديمي البارع بات هدفا لتشويه سمعته والتهديد والوعيد ولتحريض ذويه ضده، والسبب هو أنه ملتزم بجوهر القضية القومية لشعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، ويبدي موقفه من سياسات الحركة الآبوجيه، بكل وضوح وشفافية، دون أن يخشى في قول كلمة…