المهندس عباس حمدوش
تمر سوريا اليوم بمرحلة سياسية دقيقة وحساسة، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والصراعات التي أعادت رسم خريطة القوى السياسية والعسكرية في البلاد. وفي خضم هذه التحولات، يعود السؤال الكوردي ليحتل موقعا أساسيا في النقاش حول مستقبل الدولة السورية: هل سيكون الشعب الكوردي شريكا حقيقيا في بناء سوريا الجديدة، أم سيبقى مجرد طرف يتم التعامل معه وفق حسابات المرحلة والمصالح المؤقتة؟
إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية جديدة أو طارئة، بل هي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، وقدم عبر العقود تضحيات كبيرة من أجل نيل حقوقه القومية والسياسية والثقافية. ولذلك فإن أي حديث جدي عن بناء دولة سورية مستقرة وديمقراطية لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقيقة أو يؤجلها إلى مستقبل مجهول.
الشراكة الحقيقية لا تعني مشاركة بعض الشخصيات الكوردية في مؤسسات السلطة أو منح مناصب رمزية لعدد من المسؤولين، لأن وجود أفراد كورد في الحكومة أو البرلمان لا يعني بالضرورة أن الشعب الكوردي أصبح شريكا في القرار الوطني. الشراكة الحقيقية تبدأ عندما يتم الاعتراف الدستوري والسياسي بوجود الشعب الكوردي وحقوقه، وعندما يصبح الكورد جزءا أساسيا من صياغة مستقبل الدولة ونظامها السياسي وإدارة مؤسساتها.
إن الدستور السوري القادم سيكون الاختبار الحقيقي لجدية أي سلطة تتحدث عن الديمقراطية والمواطنة والشراكة الوطنية. فهل سيتم الاعتراف بالشعب الكوردي كشعب أصيل يعيش في سوريا وله حقوقه القومية والسياسية والثقافية؟ وهل سيتم ضمان حقه في المشاركة الحقيقية في إدارة شؤونه ومناطقه ضمن إطار وحدة الدولة السورية؟ أم ستبقى الوعود السياسية مجرد شعارات تستخدم في مرحلة الانتقال ثم يتم التخلي عنها بعد استقرار السلطة؟
إن التجارب السابقة تجعل الشارع الكوردي أكثر حذرا، فقد عانى الكورد لعقود من سياسات الإنكار والتهميش وحرمان الآلاف من الجنسية والتضييق على اللغة والثقافة والهوية الكوردية. لذلك فإن الشعب الكوردي لا يبحث اليوم عن وعود جديدة، بل عن ضمانات واضحة وثابتة لا يمكن لأي سلطة تجاوزها أو التراجع عنها.
إن الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الكوردي في الدستور لا يشكل تهديدا لوحدة سوريا، بل على العكس، يمكن أن يكون أساسا قويا لاستقرارها. فالدول لا تبنى بالقوة أو بإنكار حقوق مكوناتها، وإنما تبنى بالعدالة والشراكة والاعتراف المتبادل. وكلما شعر الكورد بأنهم مواطنون متساوون وشركاء حقيقيون في الوطن، ازدادت قوة الدولة السورية ووحدتها.
المطلوب اليوم هو الانتقال من لغة الوعود إلى لغة الاتفاقات الواضحة والضمانات الدستورية. فالكورد يجب أن يكونوا شركاء في صياغة الدستور، وفي تحديد شكل الدولة ونظام الحكم ومستقبل سوريا، لا مجرد طرف تتم دعوته بعد اتخاذ القرارات الكبرى.
إن المرحلة الحالية قد تكون فرصة تاريخية أمام السوريين جميعا لبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية والتعددية واحترام حقوق جميع المكونات. لكن هذه الفرصة يمكن أن تضيع إذا أعادت السلطة الجديدة إنتاج السياسات القديمة بأشكال وشعارات مختلفة.
ويبقى السؤال مفتوحا أمام الجميع هل تتجه سوريا فعلا نحو شراكة وطنية حقيقية يكون فيها الكورد شركاء في السلطة والقرار والدستور؟ أم أن الحديث عن الحقوق والشراكة سيبقى مرتبطا بظروف المرحلة السياسية، وينتهي بمجرد تغير موازين القوى؟
إن مستقبل العلاقة بين الكورد والدولة السورية لن تحدده التصريحات المؤقتة، بل ما سيتم تثبيته في الدستور والقوانين والمؤسسات. فالحقوق التي لا يحميها الدستور تبقى معرضة للتراجع، والشراكة التي لا تقوم على الاعتراف الحقيقي تبقى مجرد مشاركة مؤقتة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب موقفا كورديا موحدا ورؤية سياسية واضحة، تتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، وتعمل في الوقت نفسه على بناء شراكة وطنية حقيقية مع جميع السوريين. فالقضية اليوم ليست فقط الحصول على مقاعد في السلطة، بل ضمان مكانة سياسية ودستورية ثابتة للشعب الكوردي في مستقبل سوريا.
إن التاريخ لن يحكم على هذه المرحلة من خلال عدد المناصب التي حصل عليها الكورد، وإنما من خلال سؤال واحد هل تم الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه بصورة واضحة ودائمة في دستور سوريا الجديدة، أم تم تأجيل القضية مرة أخرى إلى مرحلة مؤقتة لا يعرف أحد متى تنتهي؟….