شادي حاجي
أثار الوضع القانوني للغة الكردية في سوريا جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد صدور الإعلان الدستوري المؤقت، والمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، وقرارات وزارة التربية المتعلقة بتدريس اللغة الكردية.
ولفهم هذا الجدل، لا بد من التمييز بين ثلاثة مفاهيم أساسية: اللغة الرسمية، واللغة الوطنية، ولغة التعليم، إذ إن الخلط بينها قد يؤدي إلى استنتاجات لا تتفق مع مضمون النصوص القانونية.
ماذا يقول الإعلان الدستوري المؤقت؟
نص الإعلان الدستوري على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، مع ضمان التنوع الثقافي والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين.
وهذا يعني أن اعتماد العربية لغة رسمية لا يلغي وجود اللغات الأخرى ولا يمنع استخدامها، بل يحدد اللغة المعتمدة في الإطار الرسمي للدولة، مع حماية الحقوق اللغوية والثقافية للمواطنين.
ومن هنا، فإن وجود لغة رسمية لا يعني بالضرورة أن اللغات الأخرى تفتقر إلى الحماية القانونية.
ماذا أضاف المرسوم رقم 13؟
جاء المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 ليمنح اللغة الكردية اعترافاً قانونياً أكثر وضوحاً، فنص على أنها لغة وطنية، وأقر حق الكرد في سوريا في تطوير لغتهم الأم وتدريسها وفق الأحكام والضوابط المحددة فيه.
وهنا تكمن النقطة الأساسية: المرسوم استخدم تعبير «لغة وطنية» ولم يستخدم تعبير «لغة رسمية».
فاللغة الرسمية هي اللغة التي تعتمدها الدولة في أعمالها ووثائقها ومؤسساتها الرسمية، بينما تعكس اللغة الوطنية اعتراف الدولة بمكانة لغة أحد مكونات المجتمع وما يرتبط بها من حقوق ثقافية ولغوية، كالحماية والتطوير والتعليم.
وبالتالي، فإن القراءة الحرفية للنصوص لا تسمح بالقول إن المرسوم رقم 13 جعل الكردية لغة رسمية للدولة، وإنما جعلها لغة وطنية معترفاً بها قانوناً.
وماذا عن قرارات وزارة التربية؟
قرارات وزارة التربية المتعلقة بتدريس الكردية لا تنشئ صفة دستورية جديدة للغة، وإنما تنفذ الحق الذي أقره المرسوم.
لذلك فإن إدراج اللغة الكردية في العملية التعليمية وتطوير مناهجها يمثل تطبيقاً للاعتراف بها لغة وطنية وضماناً لحق المواطنين في تعلمها، ولا يعني بذاته تحويلها إلى لغة رسمية.
فالقرار الإداري لا يستطيع أن يمنح اللغة صفة لم يمنحها الدستور أو التشريع الأعلى مرتبة.
ومع ذلك، تكتسب هذه القرارات أهمية عملية كبيرة، لأنها تنقل الاعتراف باللغة الكردية من مستوى النص القانوني إلى مستوى الممارسة، ولا سيما في مجال التعليم.
هل يمكن أن تصبح الكردية لغة رسمية مستقبلاً؟
هنا ينبغي التمييز بين الوضع القانوني الحالي وإمكانية تطوره مستقبلاً.
فالإعلان الدستوري والمرسوم رقم 13 وقرارات وزارة التربية لا تجعل الكردية لغة رسمية في الوقت الحالي، ولا تمنح جهة إدارية صلاحية تحويلها إلى لغة رسمية.
لكنها توفر، في المقابل، أساساً قانونياً وسياسياً يمكن البناء عليه في أي نقاش مستقبلي حول تطوير مكانة اللغة الكردية.
وإذا أريد منحها الصفة الرسمية مستقبلاً، فإن ذلك يتطلب نصاً دستورياً أو تشريعياً صريحاً، وفق القواعد والإجراءات المعمول بها لتعديل الإعلان الدستوري المؤقت، أو صياغته في الدستور القادم، أو إصدار القوانين ذات الصلة.
وبذلك، فإن الاعتراف بالكردية لغة وطنية لا يعني أنها أصبحت رسمية، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق الباب أمام تطوير وضعها القانوني مستقبلاً.
نحو الاعتراف الكامل بالتعددية في سوريا
لكن المسألة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التمييز القانوني بين «اللغة الرسمية» و«اللغة الوطنية». فالواقع السوري، بحكم تركيبته القومية والاجتماعية والتاريخية، يفرض الاعتراف الصريح بالتعدد القومي والثقافي والديني بوصفه أساساً لبناء دولة عادلة وحديثة.
وفي هذا السياق، فإن الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية، ولو ضمن مناطق وجودها الطبيعي، لا ينبغي النظر إليه باعتباره امتيازاً سياسياً للكرد، بل بوصفه خطوة ضرورية نحو العدالة الدستورية والمواطنة المتساوية، وجزءاً من إعادة تعريف الدولة السورية باعتبارها دولة لجميع مكوناتها، لا دولة قومية مغلقة.
أما الاكتفاء باعتبار الكردية «لغة وطنية» من دون منحها مكانة رسمية حقيقية، فيعكس استمرار التردد في الانتقال من منطق الاعتراف والاحتواء الثقافي إلى منطق الشراكة السياسية والدستورية الكاملة.
ومن هذه الزاوية، فإن المرسوم رقم 13 واتفاق 29 كانون الثاني، رغم أهميتهما السياسية والرمزية، لا يزالان دون مستوى الإنصاف الكامل للشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة هذه المسألة بصورة أكثر وضوحاً في المرحلة الدستورية المقبلة عند صياغة الدستور الدائم، بما يضمن الاعتراف بالتعددية في سوريا ويحوّل الحقوق القومية والثقافية واللغوية من مجرد ضمانات عامة إلى حقوق دستورية واضحة وقابلة للممارسة.
وبذلك، فإن تطوير مكانة اللغة الكردية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقاصاً من مكانة العربية أو تهديداً لوحدة الدولة، بل باعتباره جزءاً من بناء دولة سورية أكثر تعدداً وعدالة، تتسع لجميع مكوناتها وتحمي حقوقها ضمن إطار دستوري جامع.
أين يقع الخلط؟
يبدو أن جانباً كبيراً من الجدل ناتج عن الخلط بين «اللغة الرسمية» و«اللغة الوطنية» و«لغة التعليم».
فتدريس لغة ما لا يجعلها لغة رسمية، كما أن الاعتراف بها لغة وطنية لا يعني أنها أصبحت لغة الإدارة المركزية للدولة.
وفي المقابل، فإن عدم منحها الصفة الرسمية لا يعني أنها بلا حماية قانونية أو أن استخدامها الثقافي والتعليمي غير مشروع.
بل إن انتقال اللغة الكردية إلى مرحلة الاعتراف القانوني الصريح بها كلغة وطنية، وضمان حق تطويرها وتعليمها، يمثل تطوراً مهماً في وضعها القانوني.
الخلاصة
وفق النصوص النافذة، يمكن تلخيص الوضع القانوني على النحو الآتي:
العربية هي اللغة الرسمية للدولة السورية.
الكردية لغة وطنية معترف بها قانوناً.
تتمتع اللغة الكردية بالحماية والحق في التطوير والتعليم، وفقاً للمرسوم رقم 13 والتعليمات التنفيذية ذات الصلة.
أما القول إن الكردية أصبحت «لغة رسمية» فيحتاج إلى نص دستوري أو قانوني صريح يمنحها هذه الصفة.
وفي المقابل، فإن اعتبارها مجرد لغة محلية بلا وضع قانوني يتجاهل الاعتراف الصريح بها لغة وطنية والضمانات المتعلقة بالحقوق اللغوية والثقافية.
وعليه، فإن الوثائق الحالية لا تمنح الكردية الصفة الرسمية، لكنها قد تشكل أساساً قانونياً وسياسياً للمطالبة بتطوير مكانتها مستقبلاً عبر المسار الدستوري والتشريعي.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالمصطلحات وحدها، بل بمدى تحول الاعتراف القانوني إلى ممارسة فعلية في التعليم والثقافة والحياة العامة، بما يضمن حقوق الناطقين بالكردية ويحمي التنوع اللغوي والثقافي في إطار الدولة السورية.
إن بناء سوريا المستقبل يتطلب الانتقال من مجرد الاعتراف بالتنوع إلى ترجمته في نصوص دستورية وقوانين وممارسات تضمن المساواة والشراكة لجميع مكوناتها.
نحو مستقبل أكثر نضوجاً وعدالة.