رؤية سياسية مرغوبة وليس خبراً واقعاً

د. مرشد اليوسف
أحياناً، عندما أكتب في الشأن السياسي، لا أتناول بالضرورة واقعاً قائماً أو تطورات مؤكدة، بل أطرح رؤية أراها ممكنة، أو أعبر عن أمل سياسي أعتقد أنه يخدم مصلحة الكرد وسورية معاً. ومن هذا المنطلق ينبغي قراءة ما أطرحه حول مستقبل العلاقة بين الكرد والدولة السورية، بوصفه تصوراً مشروطاً لا خبراً منجزاً.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى اختيار الجنرال مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس، والقيادية إلهام أحمد عضواً في البرلمان
( بوصفه السيناريو الإيجابي) خطوة تتجاوز الرمزية السياسية. فوجود شخصيتين كرديتين وازنتين في مؤسستي الرئاسة والبرلمان قد يفتح قناة مباشرة لمعالجة الحقوق الكردية، ويجعل قضية الاندماج جزءاً من البناء الدستوري للدولة، لا مجرد ترتيب أمني أو عسكري مؤقت.
فالاندماج الحقيقي لا يعني ذوبان الكرد في الدولة، ولا التخلي عن هويتهم القومية والثقافية واللغوية، بل يعني نقل العلاقة من الصراع وانعدام الثقة إلى إطار دستوري واضح، يقوم على المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات. والدولة التي تطلب من مواطنيها الاندماج مطالبة، في المقابل، بأن تعيد تعريف نفسها بحيث تتسع لجميع مكوناتها، لا أن تفرض هوية واحدة بوصفها معياراً وحيداً للانتماء.
وتنبع أهمية الجمع بين الرئاسة والبرلمان من تكامل الدورين: فالرئاسة تمثل مركز القرار التنفيذي والسياسي، بينما يوفر البرلمان الإطار التشريعي القادر على تثبيت الحقوق في القوانين والدستور. وإذا جرى التنسيق بين المؤسستين بجدية، فقد تنتقل المطالب الكردية من كونها موضوعاً للتفاوض السياسي المتكرر إلى حقوق قانونية ودستورية ملزمة، تحميها مؤسسات الدولة لا موازين القوى وحدها.
وبهذا المعنى، فإن الاندماج المنشود ليس إدخال الكرد في الدولة على حساب خصوصيتهم، بل إدخال الدولة السورية نفسها في مفهوم جديد للمواطنة. مفهوم تصبح فيه الهوية الكردية جزءاً أصيلاً من الهوية السورية العامة، لا استثناءً مؤقتاً ولا ملفاً أمنياً قابلاً للتأجيل.
غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على مضمون الاندماج لا على اسمه. فإذا قام على الاعتراف باللغة والثقافة والحقوق القومية، وعلى المساواة السياسية والإدارية، فإنه قد يشكل بداية لمرحلة سورية جديدة. أما إذا اقتصر على استيعاب المؤسسات الكردية وإلغاء خصوصيتها من دون ضمانات دستورية، فلن يكون اندماجاً حقيقياً، بل إعادة إنتاج للمشكلة بعبارات مختلفة.
إن الرؤية الإيجابية للمستقبل تقتضي أن يصبح الكرد شركاء في صناعة الدولة السورية، لا مجرد طرف يجري احتواؤه داخلها. وعندها يمكن أن يتحول الاندماج من تسوية مؤقتة إلى عقد وطني جديد، تكون فيه الحقوق الكردية جزءاً من الدستور، ويصبح الدفاع عنها مسؤولية المؤسسات السورية كافة، لا عبئاً يقع على جماعة بعينها وحدها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين كلين ياسادة الافاضل: نتعرض اليوم لقضية حل قسد نقول لاداعي للفرح ولاداعي للاكتئاب ، لان قسد لم يتشكل بإرادة كردية بل تشكل بإرادة أمريكية ( فاليشرح لنا السيد أحمد جربا الذي شغل منصب قيادة المعارضة السورية استدعي الى واشنطن واجتمع معه الرئيس اوباما في الغرفة السرية الامريكية ثم أصبح قسديا ) وحل ايضا بقرار امريكي ، وهم الذين منحوا…

خالد حسو تُثبت التجارب التاريخية، قديمها وحديثها، أن الشعوب والقوى السياسية التي تفتقر إلى وحدة الرؤية والموقف والقرار والصف سرعان ما تفقد جزءًا كبيرًا من قوتها وتأثيرها، وتتحول من طرف فاعل في صناعة الأحداث إلى طرف ينتظر ما تقرره القوى الأخرى. وفي الصراعات الاجتماعية والقومية والوطنية الكبرى، لا تكفي التضحيات وحدها، ولا تكفي البطولات، ولا كثرة الأحزاب والتنظيمات، ما لم…

عمر إبراهيم بعد سنوات طويلة من إدارة قامت إلى حد كبير على الأمر الواقع. ومع دخول مشروع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» نهايته ، تبرز أمام القوى الكردية مسؤولية تاريخية تتمثل في مراجعة المرحلة الماضية، واستخلاص دروسها، والانتقال نحو شراكة سياسية أكثر شمولًا وتوازنًا. لا يمكن إنكار أن المرحلة السابقة شهدت تحديات أمنية وعسكرية كبيرة، ولا سيما في مواجهة تنظيم…

د. عدنان بوزان هكذا تكلم زرادشت؛ لا بوصفه نبياً للعصر، ولا حكيماً خرج من كهوف الجبال ليمنح الناس يقيناً جديداً، بل بوصفه سؤالاً ساخراً يقف أمام هذا المشهد السوري والكوردي العجيب ويسأل: متى حدث هذا العشق؟ وأين بدأت الحكاية؟ وكيف تحول الأعداء والأصدقاء والخصوم إلى عائلة سياسية واحدة؟ متى وقع هذا الغرام المفاجئ بين قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة تحرير…