د. عدنان بوزان
هكذا تكلم زرادشت؛ لا بوصفه نبياً للعصر، ولا حكيماً خرج من كهوف الجبال ليمنح الناس يقيناً جديداً، بل بوصفه سؤالاً ساخراً يقف أمام هذا المشهد السوري والكوردي العجيب ويسأل:
متى حدث هذا العشق؟ وأين بدأت الحكاية؟ وكيف تحول الأعداء والأصدقاء والخصوم إلى عائلة سياسية واحدة؟
متى وقع هذا الغرام المفاجئ بين قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة تحرير الشام، وتركيا، وقيادة إقليم كوردستان؟ ومن كتب قصة الحب هذه في الغرف المغلقة؟ ومن رتب المقاعد، واختار الشهود، ووضع الخاتم في الإصبع، قبل أن يخرج الجميع إلى الجماهير ليحدثوهم عن «المبادئ» و«الحقوق» و«المصالح الوطنية»؟
في السياسة السورية، لا شيء يبدو كما هو.
فالعدو الذي يلعن صباحاً قد يصبح شريكاً في المساء، والحليف الذي ترفع صوره في الاحتفالات قد يسلم عند أول منعطف، والشعارات التي تكتب بدماء الشباب قد تمحى بجرة قلم على طاولة تفاوض لا يعرف عنها أصحاب الدم شيئاً.
وكأننا أمام عقد قران سياسي جرى في الظل قبل أن يراه الناس في العلن.
وإذا واصلنا هذه الاستعارة المريرة، يصبح السؤال مشروعاً: من عقد القران؟ ومن كان الشهود؟ ومن كان الغائب الحقيقي عن الحفل؟
تتحدث قراءات سياسية عن أدوار وتفاهمات إقليمية ودولية جرت عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة، بينما وقفت الولايات المتحدة وفرنسا في قلب التوازنات الدولية التي تعرف أكثر مما تقوله. أما الشعوب، كعادتها، فلم تكن مدعوة إلى الحفل؛ كان دورها محفوظاً مسبقاً: التصفيق عندما يطلب منها التصفيق، والقتال عندما يطلب منها القتال، والحزن عندما تبدأ قوائم القتلى والضحايا.
لكن أخطر ما في الحكاية ليس ما يقال في العلن، بل ما لا يقال.
فالذاكرة السياسية الكوردية والسورية قصيرة أحياناً، أو ربما أُنهكت إلى درجة لم تعد قادرة معها على ترتيب الأحداث. الجميع يتذكر الشعارات، لكن قلة تتوقف أمام التواريخ. الجميع يتذكر المعارك، لكن قلة تسأل:
لماذا وقعت هذه المعركة؟ ومن قرر توقيتها؟ ومن استفاد من نتائجها؟ ومن كان يعرف مسبقاً أنها ستقع؟
في تشرين الأول/أكتوبر 2022، شهدت منطقة عفرين، وتحديداً قرية قرزيحل، تحولات ومواجهات عسكرية كشفت عن مفارقات جديدة في المشهد السوري. وفي تلك اللحظة بدا وكأن خطوطاً سياسية وعسكرية جديدة بدأت ترسم خلف الستار.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل كانت تلك مجرد معركة عسكرية عابرة، أم كانت إشارة مبكرة إلى تفاهمات وتحولات لم تكشف للرأي العام؟
لا يجوز للباحث السياسي الجاد أن يحول كل تقارب أو تزامن في الأحداث إلى «مؤامرة» مكتملة الأركان؛ فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكن من حق الناس أن تسأل، ومن واجب السياسة أن تفسر.
ما الذي جرى فعلاً؟، من تحدث مع من؟، ومن اتفق مع من؟، وما طبيعة الاتصالات التي سبقت تلك التحولات؟
هذه ليست أسئلة تخوينية، بل أسئلة سياسية مشروعة، خصوصاً عندما يكون الثمن حياة الناس ومستقبل شعب كامل.
لقد تعوّد الكوردي في سوريا على أن يسمع دائماً أن المرحلة خطيرة، وأن المعركة مصيرية، وأن العدو يقف على الأبواب، وأن الصبر واجب، وأن القيادة تعرف ما لا يعرفه الناس.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول عبارة «القيادة تعرف» إلى رخصة لإخفاء كل شيء. فلا يحق لأي مشروع سياسي أن يطلب من شعبه الموت وهو لا يعرف لماذا.
ولا يحق لأي قيادة أن تطلب ثقة مطلقة من جمهورها، وهي عاجزة عن تفسير انتقالها من التحالف إلى الخصومة، ومن الخصومة إلى التفاهم، ومن التفاهم إلى الصمت.
الثقة ليست طاعة. والسياسة ليست ديناً. والقائد ليس نبياً.
أما الحديث عن العلاقة بين مظلوم عبدي وأبو محمد الجولاني، أو عن وجود تفاهمات سبقت التحولات الكبرى في سوريا، فيحتاج إلى التمييز بين الوقائع المثبتة وبين القراءات والاستنتاجات السياسية. فالتاريخ لا يكتب بالشائعات، لكنه أيضاً لا يكتب بما تقوله البيانات الرسمية وحدها.
السياسة الحقيقية تجري غالباً في المسافة الواقعة بين ما يقال وما يحدث.
ومن هنا تأتي الأسئلة المتعلقة بما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، وفي مناطق أخرى من الجغرافيا السورية: لماذا تركت بعض القوى المحلية تواجه مصيرها وحدها؟ لماذا سقط الشباب والشابات في معارك كان يمكن، ربما تجنبها؟ ولماذا جاءت بعض التحولات العسكرية والسياسية بسرعة أكبر من قدرة الشارع على فهمها؟
الدم الذي سفك ليس تفصيلاً. كل شاب كوردي سقط شهيداً كان يحمل حياة كاملة. وكل فتاة سقطت شهيدة كانت تحمل حلماً لم يكتمل. وكل أم انتظرت ابنها أمام الباب لم تكن تعرف شيئاً عن الخرائط التي كانت ترسم في الغرف المغلقة.
وهنا تكمن المأساة الكبرى في السياسة الكوردية:
الذين يرسمون الخرائط لا يموتون عادة فوقها، بل يموت الذين لا يعرفون حتى لماذا تغيرت الخريطة.
ثم جاءت التحولات المتسارعة في مناطق مثل دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور، وبدأت الأسئلة تتكاثر أكثر من الأجوبة. كيف يمكن لقوة عسكرية كبيرة ومنظمة، امتلكت تجربة طويلة في الحرب، وتحالفت مع قوة عظمى، وسيطرت على مساحات واسعة، أن تواجه تحولات أو انسحابات سريعة في لحظات معينة؟
هل كان ذلك نتيجة ضعف عسكري؟، أم تغير في القرار الدولي؟، أم تفاهمات سياسية؟، أم إعادة توزيع للمناطق والنفوذ؟، أم أن كل ذلك اجتمع في لحظة واحدة؟
إن اختزال التاريخ في رواية واحدة خطأ، لكن تجاهل احتمالات التفاهمات السياسية خطأ أيضاً. فالشرق الأوسط لا تحكمه القوة العسكرية وحدها. كم من جيش قوي خسر لأن قرار الحرب لم يعد بيده؟ وكم من مدينة سقطت قبل أن تبدأ المعركة، لأن الاتفاق كان قد كتب في مكان آخر؟
ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال الكوردي اليوم:
من ربح؟ ومن خسر؟
بل:
من قرر؟ لأن الشعوب التي لا تعرف من يقرر مصيرها تتحول إلى جمهور في مسرحية سياسية لا تعرف حتى اسم كاتبها.
لقد أمضى الكورد في سوريا سنوات طويلة بين وعود واشنطن، وحسابات موسكو، وضغوط أنقرة، وتوازنات دمشق، وصراعات القوى الإقليمية. وفي كل مرة كان يطلب منهم الانتظار.
انتظروا الحل السياسي. انتظروا الاعتراف. انتظروا الدستور. انتظروا الاتفاق. انتظروا الحماية الدولية. لكن التاريخ لا يرحم شعباً يبني مستقبله كله على انتظار الآخرين.
لا الولايات المتحدة ستبقى إلى الأبد. ولا فرنسا ستقاتل من أجل حلم شعب آخر. ولا تركيا تتخلى عن حساباتها الاستراتيجية من أجل العواطف. ولا دمشق، جديدة كانت أم قديمة، تمنح الحقوق مجاناً. ولا تدخل أي قوة إقليمية إلى السياسة بدافع الحب. الدول لا تعشق، بل تحسب.
وهذه ربما هي الجملة التي يجب أن تكتب فوق كل مكتب سياسي كوردي.
الدول لا تحب الشعوب. الدول تستخدم التحالفات. والتحالف يستمر ما دامت المصالح مستمرة. وعندما تتغير المصلحة، تصبح الكلمات الجميلة أوراقاً قديمة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الكورد اليوم هو النظر إلى الأحداث بوصفها سلسلة من المفاجآت. لا شيء مفاجئ في السياسة لمن يعرف كيف يقرأ المصالح.
قد تختلف الأسماء. قد تتغير الأعلام. قد ينتقل رجل من إدلب إلى دمشق. وقد يتحول «إرهابي الأمس» في لغة السياسة إلى «رجل دولة» في لغة اليوم. وقد يصبح الخصم طرفاً في التفاوض. وقد يكتشف الحلفاء فجأة أنهم لم يعودوا بحاجة إلى بعضهم.
هذه هي السياسة عندما تحكمها المصالح. أما الكوردي، فقد تعامل في كثير من الأحيان مع السياسة بوصفها علاقة عاطفية.
يعشق أمريكا لأنها ساعدته. ويكرهها عندما تتركه. يثق بروسيا عندما تفتح له باباً. ويلعنها عندما تغلقه. ويتعلق بهذا الطرف أو ذاك، ثم يكتشف بعد سنوات أن الجميع كانوا يلعبون لعبة أكبر منه. ربما حان الوقت للخروج من هذه الطفولة السياسية. لا يحتاج الكورد إلى مزيد من الأغاني عن الخيانة؛ فقد سمعوا الكثير منها.
إنهم يحتاجون إلى سؤال أكثر قسوة:
لماذا نخدع دائماً؟، وربما تكون الإجابة أكثر إيلاماً: لأننا نكرر الأخطاء نفسها. نضع مصير الشعب في يد تنظيم. ثم نضع التنظيم في يد قائد. ثم نضع القائد فوق النقد. ثم نكتشف، بعد سنوات، أن الشعب كله كان يدفع ثمن قرار لم يشارك في اتخاذه.
ولهذا:
النقد ليس خيانة. وطرح الأسئلة ليس عمالة. والبحث عن الحقيقة ليس خدمة للعدو. الخيانة الحقيقية هي أن يقتل الناس، ثم يمنع الأحياء من السؤال عن سبب موتهم.
أما الذين يسألون اليوم: ماذا سيحدث للكورد في المستقبل؟
فلا أملك نبوءة، ولا أدعي معرفة الغيب. لكنني أرى شرقاً يغلي، وحدوداً لم تستقر، وقوى إقليمية تعيد ترتيب مواقعها، ودولاً كبرى تتحدث عن السلام وهي تستعد لحروب جديدة.
أرى شعباً كوردياً يقف مرة أخرى أمام لحظة تاريخية خطيرة:
إما أن يتعلم من كل ما حدث، وإما أن يعيد إنتاج المأساة نفسها بأسماء جديدة. لا أقول إن المستقبل مكتوب. فالمستقبل لا يكتب وحده.
لكنني أقول:
هناك طوفان قادم من الشرق. لن يسأل الطوفان عن أسماء الأحزاب. لن يفرق بين من رفع هذه الراية أو تلك. لن يهتم بمن كان مع هذا التحالف أو ذاك. وعندما يأتي، لن تنقذ الشعوب الشعارات التي رفعتها، بل قدرتها على معرفة الحقيقة قبل فوات الأوان.
فهل يستيقظ الكورد؟
أم سيستمرون في التصفيق لحفلات عقد القران السياسي، بينما تكتب في الغرف المغلقة قوائم الضحايا القادمين؟
ذلك هو السؤال.
أما زرادشت، لو عاد اليوم ونظر إلى هذا المشهد، فربما لم يقل شيئاً. ربما اكتفى بالابتسام. ثم أدار ظهره للجميع وقال:
ويلٌ لشعبٍ يموت أبناؤه في المعارك، بينما لا يعرف من وقع الاتفاق.