سقوط مرحلة ٠٠٠ وامتحان جديد للبيت الكوردي 

عمر إبراهيم 
 بعد سنوات طويلة من إدارة قامت إلى حد كبير على الأمر الواقع. ومع دخول مشروع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» نهايته ، تبرز أمام القوى الكردية مسؤولية تاريخية تتمثل في مراجعة المرحلة الماضية، واستخلاص دروسها، والانتقال نحو شراكة سياسية أكثر شمولًا وتوازنًا.
لا يمكن إنكار أن المرحلة السابقة شهدت تحديات أمنية وعسكرية كبيرة، ولا سيما في مواجهة تنظيم داعش، وما ترتب على ذلك من تضحيات كبيرة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الإشكالات التي رافقت إدارة المنطقة، وفي مقدمتها العمل السياسي المنفرد، وضعف المشاركة الفعلية لبقية القوى السياسية الكردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي في سوريا «ENKS»، إلى جانب ملفات تتعلق بالحريات والتعددية والاعتقال السياسي وإدارة الموارد والخدمات.
لقد أدى غياب التوافق الكردي إلى تعميق حالة الاستقطاب والانقسام، وأضعف القدرة على تقديم موقف سياسي موحد يعبر عن مصالح الكرد في سوريا. كما أن ربط القضية الكردية السورية بمشاريع أو صراعات تتجاوز حدودها الوطنية جعل المشهد أكثر تعقيدًا، وأحيانًا أبعد عن خصوصية الواقع السوري والكوردي.
اليوم، لا ينبغي أن تكون نهاية هذه المرحلة مناسبة لتصفية الحسابات أو لاستبدال هيمنة بأخرى. المطلوب هو فتح صفحة جديدة، تقوم على الاعتراف المتبادل وحق الاختلاف، وعلى مشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية الكردية دون إقصاء أو وصاية.
وفي هذا السياق، فإن المجلس الوطني الكردي وسائر القوى السياسية والاجتماعية الأخرى يجب أن يُنظر إليها باعتبارها أطرافًا في المشهد الكردي السوري، وليس خصومًا يجب إقصاؤهم. فالتعدد السياسي، عندما يُدار بالحوار والاحترام، يمكن أن يكون مصدر قوة، وليس عامل ضعف.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة مع المحيط السوري والإقليمي والدولي، على أساس مشروع وطني كردي سوري واضح، ينطلق من مصالح الكورد وحقوقهم، ويحترم وحدة سوريا وحقوق جميع مكوناتها، ويسعى إلى علاقات متوازنة مع دمشق وإقليم كردستان وتركيا والمجتمع الدولي.
إن أي مشروع سياسي جديد يجب أن يضع مصلحة الناس في مقدمة أولوياته. فقد دفع سكان المنطقة أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية، من نزوح وتهجير واعتقالات وفقدان للأمن والاستقرار وتراجع في الخدمات. ولذلك فإن بناء مستقبل أفضل لا يمكن أن يتم بالشعارات وحدها، بل بسياسات مسؤولة تعيد الثقة إلى المجتمع وتحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
إن المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر حاجتها إلى عقل سياسي جديد؛ عقل يعترف بالأخطاء دون إنكار، ويستفيد من التجربة دون الوقوع في أسرها، ويضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية.
وإذا كان حل «قسد» والإدارة الذاتية يمثل نهاية صيغة سياسية وإدارية معينة، فإن الأهم هو ألا تتحول النهاية إلى فراغ جديد، بل إلى فرصة لبناء صيغة أكثر شمولًا وتوافقًا. صيغة يكون فيها القرار السياسي نتاجًا للحوار، وتكون فيها القضية الكردية جزءًا من الحل السوري، لا ورقة في صراعات الآخرين.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الكرد في سوريا من مرحلة التنافس على النفوذ إلى مرحلة التنافس على تقديم الأفضل لشعبهم، ومن منطق التخوين والإقصاء إلى منطق الشراكة والمسؤولية.
فالمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة مصالحة سياسية ومراجعة صادقة وبناء الثقة. وهذه مسؤولية جميع القوى، دون استثناء.
إن وحدة الصف الكردي الحقيقية لا تعني وحدة التنظيم أو الحزب، ولا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني القدرة على إدارة الاختلاف بالحوار، والاتفاق على القضايا الأساسية، والعمل المشترك من أجل حقوق الشعب وكرامته ومستقبله.
ومن هنا، فإن الفرصة أمام القوى الكردية اليوم ليست في إعادة إنتاج الماضي، بل في تجاوزه. فالمستقبل لا يُبنى بالأقنعة والشعارات، وإنما بالشفافية، والشراكة، والمسؤولية، واحترام إرادة المجتمع. 
هل نحن أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء البيت الكوردي على أساس الشراكة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان هكذا تكلم زرادشت؛ لا بوصفه نبياً للعصر، ولا حكيماً خرج من كهوف الجبال ليمنح الناس يقيناً جديداً، بل بوصفه سؤالاً ساخراً يقف أمام هذا المشهد السوري والكوردي العجيب ويسأل: متى حدث هذا العشق؟ وأين بدأت الحكاية؟ وكيف تحول الأعداء والأصدقاء والخصوم إلى عائلة سياسية واحدة؟ متى وقع هذا الغرام المفاجئ بين قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة تحرير…

م. أحمد زيبار حين تناولنا في وقت سابق بعض مكامن الخلل التي تعاني منها الحركة السياسية الكردية في سوريا، سألني أحد المعلّقين: حسناً، ما هي الحلول؟ أليس الاكتفاء باستعراض المشكلات وحدها غير كافٍ؟ وكان محقاً في سؤاله. فالنقد، مهما كان صائباً، يفقد قيمته إذا لم يتحول إلى مراجعة تقود إلى الفعل وتجيب عن السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن نفعل الآن؟

ماهين شيخاني   حركة الحكم الذاتي في الجزيرة العليا وتحالف الكورد والمسيحيين والعرب في مواجهة المركزية لم تكن الحدود التي رسمتها القوى الدولية في المشرق بعد الحرب العالمية الأولى قد استقرت تماماً حين بدأت منطقة كوردستان سوريا الشمالية الشرقية تدخل واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية. كان العقد الثالث من القرن العشرين يقترب من نهايته، وكانت سوريا تقف على عتبة…

د. محمود عباس ردّ على تهجّم مبتذل نُشر في فيديو مشحون بالحقد والكراهية، يحرّف التاريخ ويثير الفتنة. شاهدتُ اليوم مقطع فيديو لشخص اندفع، بلهجة مشحونة بالعصبية والكراهية وبأسلوب لا يمت إلى الحوار المحترم بصلة، في مهاجمة القادة والسياسيين الكورد وزعماء العشائر الذين قاوموا الوجود الفرنسي، مركزًا بصورة خاصة على المرحوم سليمان عباس، رئيس عشيرة دوركا، وعلى…