سعيد يوسف
أيوب هو النبي الذي ورد ذكره في حوليات الديانات الإبراهيمية وقد ابتلاه الله بكثير من المحن والمصائب في ماله وأبنائه وصحته، وذلك عقب طعن ووشاية من إبليس تشكك في مصداقية إيمانه، فشاءت مشيئة الله أن يختبر إيمان نبيه وعقيدته، فكانت نتيجة الاختبار نجاح أيوب وإظهاره ثباتاً وقدرة فائقة على تحمّل كل ما ألمّ به من مصائب ومتاعب بصبر وروية، دون أن يؤثر ذلك على زحزحة إيمانه، وثنيه عن عقيدته قيد أنملة، ولهذا بات صبره مضرب المثل.
في مقابل صبر أيوب ظهر في الآونة الأخيرة، عبارة الصبر الاستراتيجي. لن أقف عند حدود تناقض ظاهر في بنية الجملة، اذ كيف يتحول الصبر وهو “صبر” إلى استراتيجية، في مقابل سؤال أين/ومن هو التكتيك؟. لذلك ننتقل إلى السؤال عمّن وضع العبارة؟ وما الهدف من وضعها؟ وهل يصح استخدامها في السياق السياسي الكوردي كأستراتيجية لنيل الحقوق؟
تشير المعلومات والمصادر الرسمية إلى أن المصطلح جرى تداوله في سياق السياسة الخارجية الأميركية في فترة رئاسة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وعلى لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كاينتون أثناء المفاوضات التي كانت تجري بين الطرفين الأمريكي والكوري الشمالي عام /2009/ بشأن برنامجها النووي.
لكن يبدو أن تداول العبارة يعود إلى تاريخ أقدم بقليل مما سبق ذكره/2007/. وتعقيباً على آلية سير تلك المفاوضات وتقييم وضع الأطراف يلاحظ أن الطرف الأمريكي هو الأقوى والأكثر قدرة على ضبط سيرها ودفعها بالاتجاه الذي تريده وبما يحقق أهدافها، فيما الطرف الكوري الشمالي هو الطرف الأضعف في المعادلة والذي قد لا يحتمل الانتظار طويلاً فيرضخ للأمر الواقع، إنه كالحصان الجامح، بينما تلعب أمريكا دور ترويض الحصان وتهدئته رويدا رويدا حتى تتمكن من وضعه أمام العربة.
يبدو هنا أن فرص نجاح الصبر أكبر لصالح الطرف الأقوى، فهو أسلوب قد يكون مجدياً لتحقيق هدف مؤجل حتى ولو طال انتظاره، إنه أشبه مايكون بلعبة ليّ الأذرع فمن تنفذ طاقته وتخور قواه يرضخ للهزيمة ويستسلم.
في الحقل السياسي الكوردي يجرى تداول المصطلح على لسان بعض منظري الدراسات الاستراتيجية الكوردية وهذا التداول ليس خطأً بحدّ ذاته، بل السؤال يكمن في الجدوى من استثماره ولذلك وتجنباً لأي إشكالية ينبغي الوقوف عند جملة أسئلة، لماذا نوظّف هذا المصطلح؟ وهل يمكن أن يؤدي توظيفه خدمة سياسية جديدة لا تؤديها أساليب سياسية أخرى؟ أم أن إستخدام هذا المصطلح هو فانتازيا وترف سياسي؟
بالنسبة للسؤال الأول فإنّ الجواب الطبيعي هو لأجل خدمة أهداف شعب يسعى إلى نيل حقوقه المشروعة، أما جواب السؤال الثاني فما من شك توجد بدائل أخرى دون اللجوء إلى الصيغة السياسية المستوردة والمشار إليها. نعم يمكن العمل بجدية فعّالة ونضال دؤوب يجمع بين أساليب النضال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وبناء علاقات وثيقة مع المجتمعات المحلية والإقليمية والدولية خدمة للقضية الكوردية، ودون استعارة مصطلح “الصبر الاستراتيجي ” .
وإذا أجرينا تقييماً للواقع الكوردي عموماً، أعني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، نجد أنه يمثّل الحلقة الأضعف في أي مشروع وحوار وسعي نحو تحقيق أهدافه. فإلى أي مدى يمكن أن يكون الصبر مجدياً في المستقبل من أجل إيجاد الحلول المناسبة للتحديات الراهنة في خدمة المصالح الوطنيّة الكوردية، وهل الصبر هو الكفيل بحماية حقوق الشعب الكوردي، وهل يمكن التحكم ببوصلة سير الأحداث السياسية والتاريخية، في ظل خلل التوازن لصالح الأنظمة السياسية الإقليمية والدولية التي تربطها المصالح المشتركة. ما يمكن قوله أن العبرة ليست في استخدام واستثمار المصطلحات بل في فعالية العمل السياسي وجدواه، فليس المصطلح هو من ينجز الأهداف، إنما الإصرار والإرادة السياسية الفعالة هي التي تحدد نتيجة النضال.
صبر أيوب صبر أخلاقي ووجودي لا سياسي، وقد كافأه ربه أخيرا. الصبر الأمريكي رغم انتقاده من البعض بأنه تسبب في امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي إلا أنه صبر القوي الذي يملك نفَسَاً طويلاً وقدرة على التدخل في مجرى الأحداث إن اقتضت الحاجة. الصبر الكوردي هو صبر العاجز المهزوم الموجّه نحو هدف مؤجّل لا يملك صاحبه سوى انتظار نتائج عجزه، والاستعانة بالاستراتيجية في ظلّ العجز لن تجدي نفعاً.
ما يمكن قوله أخيراً أن المنفعة الحقيقية ليست في استيراد المصطلحات والمفاهيم وامبرياليتها والخشوع لهيمنتها وإنما في صدق النوايا والعمل المتفاني، وقراءة سير الأحداث، واغتنام الفرص وعامل الزمن وتوظيفها في خدمة المصالح الوطنية والقومية الكوردية.