شكري بكر
ردّاً على مقال الصديق العزيز عبد الكريم عمي، المعنون: «من إسقاط نظام الاستبداد البائد إلى إعادة إنتاجه… أين ضاع مشروع الثورة السورية؟»، والمنشور أمس على موقع ولاتي مه.
أعتقد أن عنوان المقال ينطوي على نوع من المغالطة، أو أنه لا يتناسب تماماً مع ما جرى ويجري على الساحة السورية من متغيرات منذ 15 آذار 2011 وحتى يومنا هذا. فقد اختار الصديق عبد الكريم لمقاله سؤالاً مفاده: أين ضاع مشروع الثورة السورية؟
وبدوري أتساءل: هل كان هناك، على امتداد أربعة عشر عاماً، مشروع سياسي واضح المعالم لسوريا المستقبل؟
بالطبع لا؛ إذ غاب المشروع الوطني السوري الشامل، وبقيت الثورة مشتتة ومنقسمة إلى تيارات وروافد مختلفة. ولا أريد أن أطيل في الحديث عن مسار الثورة السورية التي غابت عنها الأهداف المرجوة لأسباب متعددة، بعضها داخلي، وبعضها إقليمي ودولي.
إلا أن إسقاط نظام الأسد الاستبدادي البائد لم يؤدِّ، حتى الآن، إلى نشوء استبداد آخر، كما عبّر الزميل عبد الكريم عمي. فما نعيشه اليوم هو مرحلة انتقالية مؤقتة قد تمهّد لإعادة بناء سوريا واستعادة موقعها على خريطة الشرق الأوسط الجديد، في ضوء المتغيرات التي تعصف بالعالم والتحولات الجارية في بنية النظام الدولي.
ومن الطبيعي أن تشهد كل بداية أخطاءً، سواء وقعت نتيجة سوء الفهم أو ارتُكبت عمداً، إلا أن هذه الأخطاء يمكن تجاوزها وتصحيحها مع مرور الوقت.
ولو أردنا إجراء مقارنة سريعة ومبسطة بين نظام الأسد البائد والنظام الراهن بقيادة أحمد الشرع، لأمكننا استخلاص ما يأتي:
أولاً: القضية الكوردية في عهد النظام البائد
كان النظام البائد ينكر، بمختلف المقاييس، وجود الشعب الكوردي في سوريا وقضيته العادلة والمشروعة، على الرغم من أن هذا الشعب يعيش على أرضه التاريخية منذ ما قبل رسم الحدود الجغرافية للدولة السورية بموجب اتفاقية سايكس–بيكو.
وقد تبنّى النظام روايةً تعتبر الكورد في سوريا مهاجرين قدموا من جنوب شرقي تركيا إلى الجغرافيا السورية، وعمل على تكريس فكرة إعادتهم إلى هناك. كما تبنّت بعض الأطراف السياسية الكوردية، التي عملت ضمن صفوف الحركة الكوردية، هذا التصور، ما شكّل مدخلاً من مداخل الانقسام الكوردي–الكوردي. وفي مقدمة هذه الأطراف منظومة حزب العمال الكوردستاني وفرعه السوري، حزب الاتحاد الديمقراطي.
أما الأحزاب السياسية الكوردية السورية المنشأ، فلم يكن بينها إجماع حول طبيعة الوجود الكوردي في سوريا؛ ولذلك جاءت مواقفها متناقضة، وأحياناً متعارضة. وانقسمت الحركة السياسية الكوردية إلى تيارين رئيسيين:
- تيار تمسّك بالثوابت القومية للشعب الكوردي في سوريا، ودعا إلى إقامة نظام ديمقراطي والإقرار بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ضمن إطار الاتحاد الاختياري.
- تيار ساوم على الثوابت القومية للشعب الكوردي، ورفع شعارات قابلة للمد والجزر، مكتفياً بالمطالبة بحقوق سياسية وثقافية واجتماعية في سوريا.
وحتى هذه اللحظة، نرى أن الخلاف الكوردي–الكوردي لا يزال يتمحور حول هذين التيارين؛ إذ لم يتوحد الموقف السياسي الكوردي تجاه طبيعة الوجود الكوردي في سوريا، ولا يزال الجدل دائراً بين مفهومي «الشعب» و«الأقلية».
وقد كان هذا الموقف الهزيل والضعيف سبباً مباشراً في غياب وحدة الصف والموقف الكورديين في سوريا. فإذا كان أصحاب الأرض والحق مختلفين حول مصيرهم، فماذا يمكن أن نتوقع من الدول التي فُرضت حدودها على امتداد الجغرافيا الكوردية؟
وإذا اختلف الإخوة على إرث آبائهم وأجدادهم، فماذا ننتظر من الدول التي أُلحقت بها أجزاء كوردستان في تعاملها مع القضية الكوردية، فرادى أو مجتمعة؟
وأود أن أشير هنا إلى أن من أهم الوثائق التي صدرت منذ نشوء الحركة السياسية الكوردية في سوريا «وثيقة الرؤية الكوردية المشتركة» التي أقرّها مؤتمر قامشلو، وتضمنت رؤية واضحة لطبيعة الوجود الكوردي في سوريا، ونصّت على:
«جعل المناطق الكوردية في سوريا وحدة إدارية سياسية كاملة ومتكاملة، من عين ديوار إلى عفرين».
غير أن هذا الإقرار أصبح في حكم الماضي؛ إذ حاولت بعض الأطراف، ولا تزال، التنصل من مضمون هذه الرؤية وتفريغها من محتواها السياسي، وتحويلها إلى وثيقة هزيلة وهشة.
وهنا يُطرح السؤال: من يتحمل مسؤولية تفريغ هذه الرؤية من مضمونها؟
من الواضح أن عدداً لا بأس به من الأحزاب السياسية الكوردية يتحمل هذه المسؤولية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي فرض سيطرته على كامل الجغرافيا الكوردية في سوريا بموجب اتفاق تسليم وتسلّم بينه وبين نظام الأسد البائد.
ثانياً: مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد
بعد سقوط نظام الأسد البائد وانتقال السلطة إلى هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع، ذي الخلفية الإسلامية، لا يختلف اثنان من حيث المبدأ على أن السيد أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية، شكّل في البداية حكومة من لون واحد وذات خلفية إسلامية، لإدارة مرحلة محددة. لكنه أدخل لاحقاً بعض التعديلات على حكومته، وأصدر عدة مراسيم، من بينها المرسوم رقم 13، الذي يمكن اعتباره إنجازاً مهماً للشعب الكوردي، لما تضمنه من:
- الاعتراف بالشعب الكوردي مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع السوري.
- الاعتراف باللغة الكوردية.
- الاعتراف بعيد نوروز القومي وجعله عطلة رسمية.
ومن جهة أخرى، شهدنا وصول اثني عشر نائباً كوردياً إلى البرلمان السوري.
يمكن النظر إلى هذه الخطوات بوصفها تمهيداً للطريق أمام القوى السياسية والوطنية والدينية والمذهبية والطائفية للعمل معاً، والجلوس إلى طاولة الحوار من خلال عقد مؤتمر وطني سوري شامل، من دون استثناء أو إقصاء لأي مكون.
وينبغي أن يهدف هذا المؤتمر إلى تطبيق القرار الدولي رقم 2254 وسلاله الثلاث:
- تشكيل حكومة انتقالية.
- كتابة دستور جديد.
- إجراء انتخابات عامة في البلاد تحت إشراف دولي.
وبذلك يمكن الانتقال نحو إقامة دولة القانون والعدالة والمساواة، والنهوض بسوريا الجديدة لكل السوريين وبمشاركة جميع السوريين، وترسيخ شراكة حقيقية بين المكونات الأصيلة للمجتمع السوري.