من الماركسية اللينينية إلى «الاندماج الديمقراطي».. ماذا بقي من مشروع PKK؟

حسن قاسم
يصعب قراءة تجربة حزب العمال الكوردستاني (PKK) بعيداً عن السؤال المتعلق بمرجعيته الفكرية والتحولات الجذرية التي طرأت على مشروعه السياسي خلال العقود الماضية. فقد تأسس الحزب عام 1978 بخطاب ماركسي ـ لينيني واضح، ورفع في بداياته شعار تحرير وتوحيد كوردستان وإقامة مجتمع اشتراكي، وخاض على أساس ذلك صراعاً مسلحاً طويلاً خلّف آلاف الضحايا وأثار جدلاً واسعاً داخل المجتمع الكوردي وخارجه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت الماركسية اللينينية بالنسبة إلى قيادة الحزب عقيدة فكرية ثابتة، أم أنها شكلت في مرحلة معينة إطاراً أيديولوجياً لتمرير مشروع سياسي وقومي؟
لا يمكن إنكار الحضور الحقيقي للفكر الماركسي في أدبيات الحزب الأولى، لكن مسيرته اللاحقة تكشف عن تحولات عميقة لم تقتصر على الوسائل والتكتيكات، بل طالت الأهداف ذاتها. فقد انتقل الحزب تدريجياً من مشروع الدولة القومية وتحرير وتوحيد كوردستان إلى مشروع مختلف يقوم على «الكونفدرالية الديمقراطية» و«الإدارة الذاتية» والتعايش داخل حدود الدول القائمة، وصولاً إلى الدعوة الأخيرة إلى إلقاء السلاح وحل التنظيم والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي.
وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات التجربة: كيف انتقل تنظيم بدأ بمشروع ثوري راديكالي يهدف إلى تغيير الواقع القومي والسياسي بالقوة إلى مشروع يتبنى الاندماج السياسي الديمقراطي ضمن الدول القائمة؟
إن المراجعة الفكرية بحد ذاتها ليست عيباً، بل قد تكون ضرورة أمام تغير الظروف. لكن المراجعة الحقيقية تستوجب أيضاً مراجعة النتائج ومساءلة الخيارات السابقة. فبعد عقود من الصراع المسلح، يحق للكورد أن يسألوا: ماذا تحقق من الأهداف التي رُفعت في البدايات؟ وهل كانت النتائج السياسية بحجم التضحيات البشرية والمادية والاجتماعية التي قدمها الشعب الكوردي؟
ومن الخطأ، في تقديري، مساواة كل ما قام به PKK بالمبادئ الماركسية اللينينية. فهناك فرق بين النظرية الماركسية كفكر اجتماعي وسياسي وبين الممارسة التي اتخذها حزب أو تنظيم باسمها. كما أن استخدام الشعارات والمفردات الماركسية لا يعني بالضرورة أن جميع الممارسات السياسية والعسكرية كانت تعبيراً منسجماً عن تلك المبادئ.
كما أن مسيرة عبدالله أوجلان نفسها تكشف عن انتقالات فكرية وسياسية كبيرة؛ من الخطاب الثوري والقومي الراديكالي إلى أطروحات مختلفة جذرياً حول الديمقراطية والكونفدرالية والتعايش. وهذه التحولات تستحق الدراسة والنقد، لا التقديس.
إن نقد تجربة PKK أو نقد زعيمه لا يعني إنكار التضحيات التي قدمها آلاف الكورد، ولا يعني التخلي عن القضية الكوردية العادلة. بل على العكس، إن حماية هذه القضية تتطلب الفصل بينها وبين التنظيمات والأشخاص، وإخضاع التجارب السياسية للمساءلة التاريخية.
فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب، وأبقى من أي قائد. والمرحلة الجديدة تحتاج إلى مشروع سياسي واقعي وديمقراطي ومدني، يضع مصالح الشعب وحقوقه القومية فوق مصالح التنظيمات، ويستفيد من دروس الماضي بدلاً من إعادة إنتاج أخطائه.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام التاريخ هو: هل كانت عقود الصراع والتضحيات الطريق الوحيد للوصول إلى هذه النتيجة، أم أن التطرف في الأهداف والوسائل أدى في النهاية إلى تنازلات سياسية كان يمكن تجنبها؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو في ظل حالة التخبط السياسي، وضياع العديد من الفرص التاريخية، وتشتّت الأحزاب والقوى السياسية والحركية الكوردية، وتعدد المرجعيات، وتباين الخطابات، وغياب رؤية سياسية واضحة وموحّدة، بات من الضروري، بل من الملحّ، أن نطرح سؤالاً مصيرياً بكل صراحة ومسؤولية: إلى متى سيبقى الشعب الكوردي بلا مرجعية سياسية وطنية جامعة تعبّر عن إرادته، وتصون مصالحه، وتدافع عن حقوقه المشروعة؟ إن…

د . مرشد اليوسف قراءة في أخطاء قسد والإدارة الذاتية بين اتفاق 10 آذار والشيخ مقصود والأشرفية ودير حافر والرقة. عندما يقول الجنرال مظلوم عبدي إنهم «خسروا المعركة، وخسروا الإدارة، وخسروا قسد بسبب الأخطاء»، فإن أهمية هذا الاعتراف لا تكمن في الاعتراف بالخسارة وحده، بل في أنه يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل كانت المشكلة في نقص القوة، أم…

صبري رسول الأنظمة الشمولية والقمعية تشتري المرتزقين للدفاع عنها، فعلَها صدام حسين، واشترى عشرات الاقلام في بلاد العرب، فعلها بشار الاسد وبشكل أسوأ، واشترى رجال الدين ايضا. فعلها حزب الله، وحزب العمال التركي، وفرعه ب ي د، اشتروا منكم الكلام مقابل المال، فبعتَ ضميرَك مقابل دولار. هناك كثيرون من أمثالكم، وهناك نفوس رخيصة أيضاً تعمل تطوعا. اذهبوا إلى الجحيم أنت…

أ. د. سربست نبي الراتب الذي كانت تدفعه المنظومة الآبوجية لمرتزق وضيع مثل غسان إبراهيم شهرياً، الذي انقلب عليهم، كان يعادل مجموع رواتب خمسين عائلة، لخمسين شهيد ضحوا بأرواحهم، كل ذلك مقابل التبويق لهم والدعاية والنفاق، هل هنالك سقوط أخلاقي مدوي أشدّ من هذا؟