د . مرشد اليوسف
قراءة في أخطاء قسد والإدارة الذاتية بين اتفاق 10 آذار والشيخ مقصود والأشرفية ودير حافر والرقة.
عندما يقول الجنرال مظلوم عبدي إنهم «خسروا المعركة، وخسروا الإدارة، وخسروا قسد بسبب الأخطاء»، فإن أهمية هذا الاعتراف لا تكمن في الاعتراف بالخسارة وحده، بل في أنه يفتح الباب أمام سؤال أعمق:
هل كانت المشكلة في نقص القوة، أم في طريقة إدارة القوة وصناعة القرار؟
في تقديري، فإن جزءاً أساسياً من المشكلة يكمن في انغلاق دائرة التفكير داخل المنظومة السياسية والعسكرية نفسها. فالقوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها حماية المكتسبات السياسية إذا لم يرافقها عقل استراتيجي قادر على قراءة المتغيرات، واستشراف نيات الخصوم، والتقاط اللحظة المناسبة للتفاوض أو التصعيد أو التراجع.
لقد أثبتت التجربة أن القيادة التي تعتمد بصورة أساسية على مستشاريها المنتمين إلى المنظومة ذاتها قد تقع تدريجياً في أسر قناعاتها السابقة. وعندما يتشابه الجميع في الخلفية السياسية والفكرية، تصبح وظيفة المستشار أحياناً تبرير القرار بدلاً من اختباره ونقده. وهنا يظهر خطر التفكير الجماعي .
إذ تتحول القناعة المشتركة إلى حقيقة غير قابلة للمراجعة، بينما يجري التقليل من شأن السيناريوهات التي لا تنسجم معها.
ولعل اتفاق 10 آذار كان إحدى أهم اللحظات التي كان ينبغي فيها توسيع دائرة التفكير. فاللحظة التاريخية لا تتكرر كثيراً، والاتفاقات في مثل هذه الظروف لا تقاس فقط بما تتضمنه من عبارات، وإنما بما يمكن تحويله منها إلى ضمانات دستورية وسياسية ومؤسساتية وميدانية قابلة للتنفيذ. كان المطلوب أن تُقرأ الاتفاقية من عدة زوايا في آن واحد: ماذا تريد دمشق؟ ماذا تستطيع تركيا أن تفعل؟ ما موقف الولايات المتحدة؟ أين تقف روسيا؟ وما الذي يمكن تثبيته قانونياً وسياسياً بحيث لا تتحول التفاهمات إلى مجرد وعود قابلة للتراجع؟
ثم جاءت أحداث الشيخ مقصود والأشرفية لتكشف أن الصراع لم يعد عسكرياً صرفاً. فهذه المناطق تحمل رمزية سياسية واجتماعية تتجاوز مساحتها الجغرافية. وكان ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من معركة أوسع على مستقبل الوجود الكردي في حلب، وعلى شكل العلاقة بين الكرد ودمشق، وليس باعتبارها مجرد ملف أمني محلي.
أما دير حافر والرقة، فقد أظهرتا أهمية امتلاك القدرة على التمييز بين ما يمكن الدفاع عنه عسكرياً وما يمكن الاحتفاظ به سياسياً. فليس كل موقع يستحق معركة، وليس كل تراجع هزيمة، كما أن الانتصار الميداني لا يكون انتصاراً استراتيجياً إذا أدى إلى خسارة أوراق سياسية أكبر.
المشكلة إذن ليست أن القيادة لم تكن تمتلك معلومات، وإنما ربما أنها لم تمتلك المؤسسة التي تستطيع تحويل المعلومات إلى قراءة استراتيجية مستقلة.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم المستشار داخل الحركة الكردية. المستشار الحقيقي ليس من يوافق القائد، ولا من ينتمي بالضرورة إلى حزبه أو مؤسسته، بل من يمتلك الشجاعة والخبرة ليقول له:
هذا القرار خاطئ، وهذا هو السيناريو الذي قد لا ترغب في سماعه.
إن بناء غرفة قرار استراتيجية كردية مستقلة، تضم عسكريين وسياسيين واقتصاديين وقانونيين ودبلوماسيين وأكاديميين وخبراء في تركيا وسوريا والولايات المتحدة وروسيا، يمكن أن يكون أحد أهم الدروس المستفادة. مهمتها ليست اتخاذ القرار بدلاً من القيادة، وإنما اختبار كل قرار قبل اتخاذه، ووضع السيناريوهات المحتملة، وتحديد نقاط القوة والضعف، والإجابة عن السؤال الأهم: ماذا يحدث في اليوم التالي؟
لقد امتلك الكرد في شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية أوراقاً مهمة: قوة عسكرية، جغرافيا استراتيجية، موارد اقتصادية، تجربة إدارية، وعلاقات دولية. لكن امتلاك الأوراق شيء، وحسن استخدامها شيء آخر.
والدرس الأكبر من المرحلة الماضية هو أن القوة التي لا يحميها عقل استراتيجي مستقل يمكن أن تتحول من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى إعادة تنظيم قسد أو إعادة صياغة الإدارة الذاتية، بل تحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء منظومة صناعة القرار الكردي. منظومة لا تخشى النقد، ولا تعزل نفسها عن الخبراء المستقلين، ولا تنظر إلى الاختلاف في الرأي باعتباره تهديداً، بل تعتبره جزءاً من حماية المشروع.
فالمشكلة ليست في أن القيادة أخطأت.
فالخطأ جزء من العمل السياسي والعسكري. والمشكلة الحقيقية هي أن تكون المنظومة غير قادرة على اكتشاف الخطأ قبل أن يتحول إلى خسارة.
ومن هنا يمكن أن تكون الخسارة الحالية، مهما كانت قاسية، بداية لمراجعة تاريخية: وهي الانتقال من عقلية إدارة المعركة إلى عقلية إدارة المصالح، ومن الاعتماد على القوة وحدها إلى بناء قوة سياسية وعسكرية محاطة بعقل استراتيجي متعدد الأصوات.
فالكرد لا يحتاجون فقط إلى مقاتلين أشداء وقادة شجعان.
إنهم يحتاجون أيضاً إلى رجال ونساء يستطيعون رؤية المشهد قبل أن يقع، ويقولون للقيادة الحقيقة قبل أن تصبح الحقيقة انكسار.