عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، في أطروحاته حول الكونفدرالية الديمقراطية والأمة الديمقراطية. ورغم وحدة المرجعية والتطابق الأيديولوجي، إلا أن أسلوب اختبار الأفكار على أرض الواقع ينقسم إلى مسارين متباينين كلياً باختلاف البيئة وسقف القوة المتاحة لكل طرف.
تعتمد هذه المنظومة العابرة للحدود أيديولوجيا وإدارة محددة إذ يتمركز حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل كمركز أيديولوجي وتنظيمي صلب يحفظ العقيدة ويخرج الكوادر المدربين عقائدياً لضمان توجيه الأطراف. ومن هذا المركز يتفرع مساران؛ مسار قانوني وسياسي داخل تركيا يمثله حزب (DEM Party) عبر خوض الانتخابات البرلمانية والبلدية ومخاطبة الشارع بلغة العمل الدستوري، ومسار ميداني سلطوي في سوريا يمثله حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي استغل فراغ السلطة بعد عام 2011 ليحول شمال وشرق سوريا (روجافا) إلى “مختبر ميداني” لتطبيق أفكار أوجلان وتأسيس إدارة شبيهة بمؤسسات الدولة.
ويتجلى هذا الانقسام المفهومي عند النظر إلى آليات التنفيذ اليومية لمبادئ أوجلان على الأرض. فبينما يطالب حزب (DEM Party) في تركيا بتوسيع صلاحيات البلديات وتطبيق “الحكم المحلي الديمقراطي” تحت سقف الدستور التركي، ذهب الـ PYD في سوريا إلى تفكيك سلطة المركز كلياً وإنشاء نظام هرمي يبدأ من “الكومين” (مجلس الحي والقرية) وصولاً إلى المقاطعات. وفي حين يقدّم حزب (DEM Party) نفسه في تركيا كـ “حزب لكافة الشعوب” يضم أتراكاً وليس أكراداً فقط لشرعنة وجوده البرلماني، طُبقت فكرة “الأمة الديمقراطية” في سوريا عبر تشكيل “مجلس سوريا الديمقراطية” ودمج المكونات العربية والسريانية في قوات “قسد”. وتظل “الرئاسة المشتركة” العلامة الصارمة التي يلتزم بها، كركيزة أساسية للتغيير الاجتماعي.
غير أن إنزال هذه الفلسفة إلى الواقع الميداني كشف عن تناقضات جليّة وأزمات شرعية عميقة، لا سيما في التجربة السورية. ففي الوقت الذي ينص فيه نموذج أوجلان على أن السلطة تصعد من الكومين الشعبي إلى الأعلى، أثبتت التجربة الميدانية أن القرارات المالية والأمنية والسياسية المفصلية في سوريا لا تخضع للانتخاب أو الاختيار المحلي المحض، بل تدار عبر سلطة الكوادر الخفية القادمة من خلفيات عقائدية. هذا الهيكل الموازي أفرغ المجالس والمدراء المحليين من سلطتهم الحقيقية وتحولوا في نظر الكثيرين إلى واجهات تنفيذية، مما خلق شرخاً حاداً و أزمة ثقة بين الشارع والإدارة.
علاوة على ذلك، يبرز الفارق الجوهري بين شرعية صندوق الاقتراع الذي يخوضه حزب (DEM Party) في تركيا تحسباً للمحاكمات والتضييق القانوني، وبين شرعية البندقية والأمر الواقع التي فرض بها الـ PYD مشروعه في سوريا تحت مظلة الحماية العسكرية للتحالف الدولي. وقد أدى فرض هذه الأيديولوجيا الشاملة والمناهج التعليمية الجديدة وإشراف الكوادر غير المحليين إلى صدام مباشر مع البيئة العشائرية والمحافظة في مناطق ذات غالبية عربية كدير الزور والرقة، والتي رأت في هذه السياسات نوعاً من الوصاية، مما فجر احتجاجات واشتباكات متكررة، فضلاً عن رفض التيار الكردي التقليدي (الانكسي) المعارض لهذا الاستحواذ السلطوي.
تظهر القراءة المتأنية لهذه الأطروحات أننا أمام مشروع أيديولوجي واحد يُدار بأسلوبين؛ أحدهما سياسي مدني في تركيا يمارس الضغط القانوني ويتعرض للاعتقال، والآخر عسكري وميداني في سوريا لبناء نموذج إداري بقوة السلاح وفرض الايديولوجيا. إلا أن التجربة السورية ((PYD أثبتت أن تطبيق نظريات أوجلان عبر البندقية و”سلطة الكوادر الموازية” أنتج واقعاً معقداً ينظر إليه المجتمع المحلي كـ “تعايش إجباري” تفرضه الظروف الأمنية، ليظل هذا المشروع بكامله رهناً بتوازنات القوى العسكرية والخرائط الجيوسياسية المتقلبة وبالأخص بأنه لا يوجد قانون للأحزاب في سوريا حتى الآن لذلك سيتم إنشاء صيغة بديلة للاستمرار في توجهاته والاندماج حسب مفهومه في الإدارة السورية الجديدة وخاصة لغة الانتخابات الحرة الغير واردة في قاموس السلطة الحالية والتي تحكم دمشق عبر انقلاب عسكري وتشكيل مجلس الشعب وفق مقياسه.